يتجه المغرب إلى تسجيل سنة عجفاء، عنوانها الأبرز، قلة التساقطات وتباعدها زمنيا، بل وانحباسها في العديد من المناطق منذ شهر دجنبر الماضي، مع درجات حرارة مرتفعة، في حين يعيش المزارعون هذا العام، موسما فلاحيا صعبا ينذر بمحصول زراعي قد يكون الأسوأ خلال السنوات الخمس الأخيرة ، خصوصا على مستوى الإنتاج الوطني من الحبوب الذي يتوقع الخبراء أن يسجل أدنى مستوياته، إن لم يكن أدنى من موسم 2019 – 2020 حين بلغ الإنتاج النهائي من الحبوب الرئيسية الثلاثة ما مجموعه 32 مليون قنطار، بانخفاض يقدر ب 57 في المائة مقارنة بمعدل سنة متوسطة، علما بأن مستوى التساقطات خلال 2019 ناهز239 ملمتر في حين تشهد المملكة هذا العام نقصا في الأمطار هو الأكثر حدة منذ أكثر من 3 عقود، حيث لم يتجاوز المعدل الوطني للتساقطات 75 ملم، مسجلا بذلك تراجعا بنسبة 64 في المئة مقارنة بموسم عادي، حيث بقى الرقم بعيدا جدا عن معدل 30 سنة البالغ (348 ملم) .
وإذا كانت الحكومة قد بنت قانونها المالي على فرضية إنتاج 80 مليون قنطار من الحبوب، و67 دولارا لبرميل النفط، فإنها مدعوة اليوم إلى مراجعة جميع حساباتها بعدما قفزت أسعار النفط الخام إلى أكثر من 105 دولارات للبرميل للمرة الأولى منذ عام 2014.
وعلى الرغم من رسائل التطمين التي حاول الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس، بعثها للرأي العام «بخصوص تموين السوق المغربية، (مؤكدا) أنه لن يكون هناك أي مشكل أو تأثير»، فإن واقع الأسعار المتطايرة في الأسواق الدولية لا يبعث بتاتا على الاطمئنان، فقد زادت أسعار القمح أمس، لتبلغ أعلى مستوى لها منذ أكثر من 9 أعوام، في حين قفزت الذرة إلى أعلى مستوى في ثمانية أشهر. وقفزت العقود الآجلة للقمح لشهر ماي في مجلس شيكاغو للتجارة 5.7 % إلى نحو 9.34 دولار للبوشل،       ـ مكيال القمح ـ وهو أعلى سعر منذ يوليو 2021. وارتفعت الذرة 5.1 % إلى 7.16 دولار للبوشل مسجلة أعلى مستوى منذ العاشر من يونيو الماضي.

وسجلت أسعار الحبوب مستويات قياسية في جلسات التداول الأوروبية، إذ بلغ سعر القمح 344 أورو للطن الواحد لدى مجموعة يورونكست، التي تدير عددا من البورصات الأوروبية. ويستورد المغرب سنويا ما بين 60 و75 مليون قنطار من الحبوب من الخارج، تكون النسبة الكبيرة للقمح اللين والصلب ثم الشعير والذرة، وخلال الموسم الفلاحي السابق، استوردت المملكة 64.2 مليون قنطار، وقبله 75.6 مليون قنطار.
وتفيد معطيات لوزارة الفلاحة والصيد البحري، أن معدل استهلاك المغاربة للحبوب يعد مرتفعا بشكل كبير مقارنة بالاستهلاك العالمي، حيث يقدر هذا المعدل إلى حوالي 200 كيلوغرام من الحبوب في السنة، مقابل 152 كيلوغرام لكل فرد على المستوى العالمي. وبينما أخذ الفلاحون الذين يعولون على الزراعات الخريفية البورية التقليدية، وعلى رأسها القمح والشعير، ينفضون أيديهم من انتظار محصول يعوضهم عن خسائر الموسم الفلاحي الماضي، يوشك مزارعو الفلاحة المسقية على انتظار نفس المصير، خصوصا مع تراجع نسبة الملء بحقينة السدود إلى 32 في المئة عوض 49 في المئة خلال نفس الفترة من السنة الماضية، والهبوط الحاد في فرشاة المياه الجوفية. وفي مقابل تطمينات الحكومة التي سبق أن تربع رئيسها على كرسي قطاع الفلاحة لحوالي 14 عاما (2007/2021) ترتفع أصوات المزارعين والكسابة محذرة من صعوبة الموسم الفلاحي الحالي حيث يبدو أن قلة هطول الأمطار يعرقل سير الموسم في عدة مناطق. ولا سيما الشاوية ودكالة وتادلة، ففي هذه المناطق السقوية، وصل نضوب احتياطي السدود الكبيرة للاستخدام الزراعي إلى مستوى يدق جرس الإنذار.
أما أسعار الأعلاف فقد شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال الأسابيع الأخيرة، وبعدما كانت الأعلاف المركبة قد نزلت بهبوط التساقطات الأخيرة عادت لترتفع بحوالي 60 في المائة حاليا فيما قفز سعر شعير العلف من 180 درهما بعد التساقطات الأولى الى 280 درهما حاليا ، أما سعر التبن الذي هبط مع التساقطات الأخيرة االى 15 درهما فقد عاد الى الارتفاع ليصل في بعض المناطق الى 22 درهما، وفي نفس الاتجاه التصاعدي انتقل سعر النخالة من 2.10 درهم للكيلوغرام إلى 2.50 درهما حاليا، ويؤكد المزارعون أن هذه الأسعار مرشحة لمزيد من الارتفاع في حال استمرار شح التساقطات.