محمد المنتصر
الإثنين 29 أغسطس 2022 - 12:49 l عدد الزيارات : 43507
كريمة كربيطو
يقول نيكولاي “المسرح هو حسن التنكر والمتعة في خلق الوهم وعكس صور النفس والواقع على الآخر، داخل هذا الفعل الذي ينقل الإنسان ويحوله” لعل هذه المقتبسة لنيكولاي، صالحة أن تكون عتبة للحديث عن الجسد المسرحي، وعن دوره في التنكر باعتباره بعدا تواصليا في امتداده مع محيطه ومع العالم، والذي يعتبر الوتد الذي يتكئ عليه اللعب الدرامي داخل المسرح باستغلاله حيزا كبيرا منذ البداية الأولى له، بحيث يعتبر جسد الممثل أداة معبرة و دالة و حاملة للمعاني، وستتضح هذه الأهمية جليا عند ظهور ما يسمى “بالغريزة التمثيلية “والتي تعود أصولها إلى الإنسان البدائي الذي كان يميل بغريزته للمسرح وكما عرفها ألكسندر باكشي ” الغريزة دافع طبيعي للحدث الدرامي يتواجد عند البشر جميعا، هي المجهود الذي يبذله الفرد كي يبدو مختلفا عن حقيقته، إنها ممارسة التصنع، كي نحقق مجموعة من النتائج العلمية بعضها يكون حسن النية، وبعضها يكون ذا نوايا سيئة، وبعضها يكون حادا وبعضها يكون ذا طبيعة مازحة ولكن أيا كانت النتيجة، فالفعل الدرامي يشكل جزءا من تصرفاتنا، وربما نمارسه بلا وعي على الإطلاق..”
فهي تعتبر المحرك الأساس الذي انطلق منه الإنسان البدائي لكي يعبر عبر جسده عن علاقته مع الطبيعة وما يدور حوله، ومع أخيه الإنسان وجل الكائنات الحية، والتي انعكست في الطقوس والشعائر والرقصات التعبيرية والأناشيد: منها تلك التي كانت مرتبطة بعبادة ديونيسيوس والتي تعتبر أكثر العبادات اتصالاً بالمسرحية، وأشدها تأثيراً على تطورها لأن طقوسها كانت تتضمن كثيرا من الحركات التمثيلية، وتشتمل على عواطف متضاربة يعبر عنها أتباع الإله في بهجة وسرور، تصحبها نكت غليظة وضحكات عالية…
كذلك عند عودته من الصيد في آخر النهار، كان يجلس لكي يحكي لعشيرته كيف قام باصطياد فريسته، مستخدما بذلك عناصر تعبيرية من إيماءات، وإشارات، وحركات دالة تحمل معاني عدة، عبر فكرة التظاهر التي تعتبر أساس التمثيل وتتطلب التحول والتنكر الجسدي كما سبق الذكر، لأجل تحقيق المعاني وتوصيل الدلالات إلى الجمهور، وفي الوقت نفسه يتطلب من هذا الجسد كذلك مرونة التغير والتبدل إذا لزم الأمر في التعبير أثناء الأداء، فالتغير والتبديل تتحكم في زمامها الغريزة التي بدورها تمنح الجسد طاقته التعبيرية على الركح، لكنها غريزة محكومة بشكل كامل للإدراك الإنساني كما وصفها فرنسيس فرجسون، و” يطلق على هذا الإدراك الوعي المسرحي، وعندما يتم صقل هذا الوعي بالممارسة من طرف الممثل فإنه يستطيع أن يدرك الأفعال، و أن يميز بينها تماما، مثلما تدرك الأذن المدربة الأصوات و تميز بينها…”
فوصول الممثل إلى الوعي المسرحي يعتبر ضرورة ملحة، تكمن في اعتماده الكلي على المعنى الكامن في ذاتية الإنسان، ليبلورها في أفعال جسدية قادرة عن التعبير عن ثقافة وحضارة مجتمع معين، ليصبح له بذلك بعدا أنثروبولوجيا أيضا، حيث يقول يوجينوباربا في أحد محاضراته التي ألقاها عام 1985 في مهرجان المسرح العالمي ببرشلونة، بعنوان (جسد الممثل المعطاء إمكانية الممثل المفترضة، لتأهيله على حمل الرسالة للمتلقي) ” إن علاقة الممثل الجسدية مبنية على ما يراد تجسيده، وبين ما يدرك وما يفهم، لذا يجب على الممثل أن يكون على علم ودراية ووعي ومعرفة جيدة بأعضائه الفيزيولوجية، حتى يتمكن من التعبير المثالي. لأن هذه الحركات يقوم بها الممثل من المنظور الأنثروبولوجي، يمكنها أن تعبر عن حضارات، وثقافات الأجناس المختلفة”.
يوضح باتريس بافيس في قاموس المسرح، أن التعبير الدرامي أو المسرحي مثل كل تعبير فني يعد وفقا للرؤية الكلاسيكية، إظهار المعنى العميق أو عناصر كانت خاصة، وهذا التعبير عن معنى يتضح على خشبة المسرح من خلال الأداء الحركي والجسماني للممثل بوصفه أهم العناصر من عناصر الإرسال في منظومة العمل المسرحي.
إن اختلاف زوايا تناول الجسد المسرحي، جعلته صعب الدراسة لما يحمله من عمق في أبعاده الرمزية والدلالية…، لكنه يبقى صورة تعبيرية يلتقطها كل دارس من الزاوية التي تخدم رؤيته الخاصة، وكل مخرج حسب الجملة البصرية التي يريد أن يعبر عنها بتوظيفه، لكونه العنصر المفسر للنص الدرامي والمشكل له فنيا وجماليا على خشبة المسرح.
تعليقات
0