تهميش البعد الاجتماعي صبغة التدبير العمومي المحلي بإقليم بركان: الساحات العمومية نموذجا.
إدارة النشر
الإثنين 19 سبتمبر 2022 - 21:18 l عدد الزيارات : 23451
عبد المنعم محسيني
تبنى المغرب منذ بداية الألفية الثالثة مقاربة التدبير المرتكز على النتائج، مستنبطا إياها من آليات التدبير المعتمدة في القطاع الخاص، وذلك على غرار العديد من الدول المتقدمة كهولاندا ونيوزيلاندا وفرنسا……. إلا وأنه على من اعتماد آليات التدبير المعتمدة في القطاع الخاص لتحسين التدبير العموني، فإن مفهوم النتيجة المتوخاة من طرف الفاعلين في القطاع الخاص تختلف عن ماهية النتيجة المتوخاة في القطاع العام؛ وهو الأمر الذي أكده الفقيه الفرنسي Bernard Abate في مؤلفه المعنون La nouvelle Gestion Publique ، والذي أكد من خلاله أنه إذا كان مفهوم النتيجة في القطاع الخاص ينحصر في الربح المالي، فإنه في القطاع العام يبتعد كل البعد عن الربح المالي. فالنتيجة وفق مقاربة التدبير العمومي المرتكز على النتائج ليس بالضرورة أن تكون مالية، بالقدر الذي تكون فيه لامادية، كمحاربة الأمية والبطالة والقضاء على الجريمة وانحراف الشباب، وتوفير فرص الشغل وتأهيل اليد العاملة، وتوفير الولوج إلى خدمات تعليمية وصحية ذات جودة فعالة وناجعة…….. تلكم هي ماهية النتيجة في مقاربة التدبير العمومي المرتكز على النتائج. غير أنه إذا كان الربح المالي وفق مقاربة التدبير الخاص المرتكز على النتائج، يخضع لعامل المنافسة وتقديم منتوجات أفضل، فإن تحقيق النتيجة العمومية، وإن كان لا يخضع للمنافسة على غرار القطاع الخاص، فإنها تظل رهينة باستغلال أمثل وأنجع للموارد العمومية المتاحة؛ وهو الأمر الذي يتطلب تدبير استراتيجي مبني على أهداف مختلفة ومتضاربة، لا يكون المدبر أهلا لتحقيقها إلا إذا جعلها مندمجة فيما بينها. فالحفاظ على البيئة وجمالية المدينة لا يجب أن يرهن الوعاء العقاري المحلي دون التفكير في استغلاله استغلالا تجاريا أو ثقافيا، على النحو الذي يسمح من تحقيق الاندماج والتلاؤم بين فضاءات الراحة والترفيه وبين هاجس محاربة البطالة والتشجيع على الانصهار في عالم القراءة والبحث العلمي والثقافة. وتبعا لذلك، فتخصيص وعاء عقاري كبير، كان مستغلا كسوق مغطى مهترئ وآيل للسقوط ودار للشباب وساحة كلاسيكية كمرآب للسيارات والشاحنات، كساحة عمومية للجلوس ومرآب تحت أرضي للسيارات، دون مزاوجته بأهداف تجارية وفقط تصور عصري حديث يتجسد في مركب تجاري من عدة طوابق، وفي جزء منه كخزانة عمومية أو كدار للشباب يتم فيها التأطير التربوي والثقافي والسلوكي للتنشئة، إنما يدل فقط على تغييب البعد الاجتماعي في شقه المتعلق بمحاربة البطالة وترسيخ مقاربة سوسيولجية وسيكولوجية لدى الباعة المتجولين وإدماجهم في الدورة الاقتصادية على النحو الذي يحولهم من فاعلين في قطاع غير مهيكل إلى قطاع غير مهيكل. نعم عبرت في العديد من المناسبات أن هدم السوق المغطى في شكله الكلاسيكي ساهم بشكل إيجابي في القضاء على أوكار الانحراف والجريمة، لكن هذا لم يمنعنا من التعبير في نفس الوقت المركز التجاري المغطى الجديد لا يستجيب للمواصفات الجيدة للقضاء على ظاهرة الباعة المتجولين، بل سيزيد من تعميق هذه الظاهرة التي ستتسع على المدى المتوسط لتحتل حتى الساحات العمومية المنجزة. كان من المفروض أن يستغل الوعاء العقاري الذي أنجزت فيه مرآت تحت أرضي وساحة عمومية، لتجويد وتحسين استغلاله كسوق مغطى حديث من عدة طوابق، وخصوصا أنه يوجد وسط المدينة، على النحو الذي سيمكن من تثبيته وتوسعته، بل وحتى استغلاله في جزء منه كمركز ثقافي وتربوي، بالشكل الذي يجعل الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتاريخية مندمجة ومتلائمة فيما بينها…… للأسف تغييب البعد الاجتماعي والثقافي والتاريخي وتهميشه في إنجاز ساحة عمومية محل السوق المغطى ودار للشباب، سيجعل النتيجة المتوخاة مفرغة من هدفها في المدى المتوسط على الأقل، وسيحتلها تدريجيا الباعة المتجولون. إنها نتيجة حتمية خصوصا أمام إثبات واقع الحال انعدام الجدوى في المركز التجاري المغطى المنجز وراء بناية إعدادية القدس.
تعليقات
0