دردشة بدوار أطلسي مع صديقي الفكاهي صاحب شخصية “لحبيب”

أحمد بيضي الخميس 28 يناير 2021 - 13:49 l عدد الزيارات : 28631
  • المصطفى تودي

بمناسبة قافلة إنسانية، كان لي لقاء مع أحد المشاركين المتميزين. مشارك حط الرحال بروح مرحة، بدوار من دواوير جبال الأطلس المتوسط، إنه الفنان الفكاهي هيثم مفتاح صاحب شخصية “لحبيب” بطل السلسلة التلفزيونية “كبور ولحبيب”. في جو مفعم بعواطف إنسانية جياشة كانت لي معه دردشة حول الفكاهة ودهاليزها والمشي ومساراته (..) حوار بين شخص محترف للفكاهة والمرح و آخر مهووس بالمشي و التجوال. فاختلط كلام الفنان بهذيان المشاء فكان ما ستقرؤون.

  • ما معنى أن تكون فكاهيا؟

رد صديقي الفكاهي بهدوء:

  • إذا كنت تكره تهجم الوجوه وتجد لتمنع انقباض الجباه وتصنع القهقهات حتى تنقطع الأنفاس فاعلم أنك قد تصبح فكاهيا.

  • هل للفكاهة تاريخ في بلدنا؟

  • إذا تكلمنا عن الفكاهة والمرح بعامة فقد ارتبطت بالاجتماع الإنساني منذ الأزل. فهي لحمة العشرة و بها يحلو السمر ولنا في “نْزاهة” أهل مراكش خير مثال على من تحلو عشرتهم. لكن حينما نتكلم عن الفكاهة كفن، فهي مهنة وتعبير ثقافي يختلف و يتلون باختلاف الثقافات و تلاوين العادات الاجتماعية. قد تعود مهن الفرجة في ثقافتنا إلى الجذر الذي تَمَثل في فن “الحلقة” ( بتسكين اللام).

  • إذا كان هذا الافتراض صحيحا، فهل يمكنني أن أناديك صديقي “لَحْلايقي”؟

رد صديقي بهدوئه وتواضعه المعهودين:

  • لم لا؟ انصهار المتلقي في الحلقة علامة على نجاح الحلايقي. فقد يترك المغربي كل انشغالاته ليحضر الحلقة. و إن استطاع الفكاهي المحترف اليوم أن يصل إلى مستوى الانصهار هذا فسيلج عالم الفكاهة من أبوابها الواسعة. أمر صعب التحقيق خاصة أن التجانس الذي يطبع متلقي الحلقة يغيب في متلقي المسارح والشاشات وغيرها من وسائل التواصل المعاصرة، فما يضحك أهل الشمال قد يكون مدعاة لضجر أهل الجنوب .

ثم هل يمكن للفكاهي المحترف أن يبلغ مبلغ أهل الحلقة؟ ألم يكن الحلايقي ملهما للأمثال و الحكم الشعبية؟ وإذا كانت الأسواق مراكز تجارية تؤمها ساكنة كل منطقة، ألم تكن الحلقة مراكز ثقافية تشد ألباب كل المتسوقين؟ إذا كان اليوناني يفخر بساحته العمومية ( لاغورا) فيحق للمغربي أن يفخر “بالحلقة”. 

  • قُلْ لي صديقي، كيف تتصور الوظيفة الاجتماعية للفكاهة ؟

حملق صديقي هنيهة فقال:

  • زعما للالتزام، و السياسة و داكشي…؟) فاستطرد، إن تمكنت الفكاهة من الرقي بالذوق الجمالي للناس وانتشلت إحساسهم بالجمال من مستنقع الرداءة، فقد التزمت أيما التزام، و أدت وظيفتها الفضلى.

  • و نحن نعيش زمان كورونا، هل يمكن أن تكون الكوارث والمحن موضوعات للفكاهة؟

  • سؤال ماكر، الفكاهة لا تمارس للتشفي والاستهزاء من مآسي الناس. لنقل إذن، كيف يمكن أن نحول الوقائع والتجارب الكارثية و المحبطة إلى مواضيع مضحكة و مسلية؟ أثبت العلم أن الواقع الإنساني  الحقيقي هو رمزي بالأساس، إن الإنسان يعيش الواقع كما يتمثله. فما يجعل من التجربة ومن الواقعة كارثة هو تصور الإنسان و تمثله لها.

من هنا ينبغي أم تكون وظيفة الفكاهة وظيفة مضمضة للجراح وظيفة مطمئنة بل قد نقول وظيفة علاجية، تساعد الذوات على مقاومة ما يواجهها من صعاب ومن تجارب محبطة، من خلال ميكانزمات الإعلاء والتحويل كما يقول أهل التحليل النفسي. فالفن المقوم يعمل على تقويم تمثلات الناس لما يعيشونه من شدائد ومن ثمة تحويلها إلى موضوعات للسخرية تنزع عنها رداء الخوف و الرهاب لتنتج المرح والضحك عوض سلوكات التذمر و اليأس.

و بهذا يمكن أن تكون للفن وظيفة نفسية تدخل ضمن ما يسميه علماء النفس الوظيفة المقاومة fonction de résilience تجعل من تجارب الإحباط مرتكزات تمنح للذوات قواعد لانطلاقة جديدة لمواجهة الحياة.

  • إذا كان الأمر هكذا، فهل بإمكان أي كان أن يكون فنانا فكاهيا؟

  • طبعا، شخصية الفنان مركبة، إنها استعدادات ومؤهلات تدخل ضمن نمط شخصيته القاعدية، كما أنها أيضا قناعات و معرفة وتكوين وكد واجتهاد. فالمنتوج المضحك المسلي هو نتاج سيرورة مضنية وطويلة. فمن يرجع القدرة على الإضحاك والتسلية إلى موهبة وسليقة الفنان يجهل ما يخفيه المنتوج المنتهي من عمل ومعاناة. إن المنتوج المنتهي كالعسل، لا يحلو مذاقه ولا تعلو قيمته الغذائية إلا بقدر عمل ومعاناة كل نحل الخلية. فالفنان إذن هو الملكة؟ قلت. بل هو جندي من جيش.

  • هل الخشبة هي مجال تحقق المتعة الفنية؟

  • هنا يكمن الفرق بين الفكاهي والمشاء، فمتعة المشاء تحصل في المشي ذاته. صحيح أن لكل مشاء مقصودا ونقطة وصول، و صحيح كذلك أن المشي معاناة وجهد وعرق، لكنه مناسبة تنفتح من خلاله على ذاتك وعلى العالم: تعيش تعبك وقدراتك، تتأمل تستمتع بالمكان وتعيش الزمان في تؤدته و بطئه و سكينته. وأما الفن وإن كان هناك ما يميزه، فهو مهنة وعمل كباقي مجالات الاحتراف، والعمل هو مجال التوتر والمعاناة لامجال المتعة. من هنا تكون نتيجة العمل هي ما يولد المتعة. إن متعة الفكاهي تبدأ عند انتهاء عرضه، حين تعكس ابتسامات الجمهور نجاحه، و حين يتساقط التعب كأوراق الخريف بتوالى التصفيقات…

عجيب أمرك صديقي الفكاهي، خلقت ” لحبيب” فقتلك … مشكل أثار انتباهي إليه لقاؤك بأبناء دوار “تيسفولة”: فالكل لا يعرفون إلا لحبيب. أخال “لحبيب” يتحداك بقوله: ” إن كنت فنانا حقيقيا فاقتلني… “. مَن الواقعي إذن الشخص أم الشخصية؟ هيثم مفتاح أم لحبيب؟ أخالك صديقي المشاء تشجع الابن على عقوق الأب. لحبيب ابني من صلبي، فالأب ينجب، يربي، يرعى و يفرح حين تحقق ذريته مبتغاه. كما أن الأبوة أخلاق فالأب لا يغار من أبنائه و الأبناء البررة لا يقتلون آبائهم. فما قد تراه عبئا هو بالنسبة لي وسام نجاح، و أنا بالمحصلة أب ولود سأنجب شخصيات أخرى أرعاها حتى تصبح كلحبيب أو أحسن.

كذلك يكون الفكاهي اللبيب يبرع حيث يكون، يتقمص الشخصيات التي تسند إليه يتلَبسُها حتى يصبح هو هي. أنت حرباء إذن؟ لا بل إنسان لا تتلخص أفعاله في استجابات محض بيولوجية، فالتقمص ليس إلهاما و لا موهبة بل تأمل تحليل و تفكر، أفعال يترجمها الفكاهي تعابير  و حركات. فالفكاهي الناجح في اعتباري هو من يحقق تناغما سامفونيا بين كلماته، حركاته و إيماءاته، يتمثل الشخصية عقليا ووجدانيا قبل أن يشحد مهاراته الحركية و التعبيرية لتشخيصها. وأما من يزهو بما نجح من شخصياته و من يدير ظهره للمقبل لينتشي بسجن ذهبي مضى وولى فذاك من تخلقه شخصياته ليأفل نجمه ويموت بعد صدئ تلك الشخصية.

أتعبتني صديقي المشاء فمتعتك تكون حين تمشي أما أنا فأستمتع حين أنتهي وأستريح.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image