تجليات الخطاب الصوفي في رواية “لا تنس ما تقول” للأديب شعيب حليفي -الجزء الأول-
أحمد بيضي
الأربعاء 2 يونيو 2021 - 00:11 l عدد الزيارات : 38044
حميد ركاطة (°)
أول ما استرعى انتباهي بعد قراءة رواية “لا تنس ما تقول” (°°) لشعيب حليفي (°°°)، هو ذلك الاحساس الذي تملكني كقارئ، ظل فضوله متأججا، لمعرفة المزيد من الأحداث التي لم تشف فصول هذه الرواية غليله كثيرا، وقد حاصرتني العديد من الأسئلة المقلقة، حول شخوصها، وأحداثها التي جمعت بين الروحي، والصوفي، والاجتماعي، والتاريخي، والخيالي، والتخيلي، وعضدت سارية الرواية الأساسية وطرزتها بالعديد من القصص الجانبية، وفتحت أمام القارئ مسارات عديدة، للإطلالة على واقع معاش لفئة من الناس البسطاء في بقعة منسية من بلاد المغرب. أناس حملوا آلامهم، وأحلامهم، وتطلعاتهم التي ترتحق أسرارها من تاريخ أسلافهم التليد.
وقد حاول الروائي الكشف عن بعضها، وإبراز بعض من تجلياتها اعتمادا على التصريح حينا، و على الترميز حينا آخر. ليشيد لنا عالما فريدا تجلت فيه بعض حقائق التخييل الذاتي، كشف عنها ذلك الارتباط الساحر بمجال جغرافي شكل نقطة انطلاق السلالة الأولى وتيهها في أنحاء رحبة، من السهول، والصحاري، والجبال.. بسبب ما عانته من اضطهاد، وتطهير عرقي، من طرف السلطة المركزية للإمبراطوريات التي تعاقبت على حكم المغرب ( المرابطين، والموحدين، والوطاسيين .. وهو ما جعل قصة الحرابلة، وطريقة عيشهم محفوفة بالكثير من الأسرار.. لعل من أبرزها ظهور من يمتلك القدرة على تأويل العلامات الشاردة للأجداد، التي تنجلي من دروب الغيب، في السماء والغابة، والأشياء. عن طريق شخص يحمل مشعل قيادة السلالة، سيروي سيرة بويا صالح للآخرين.
وقد ظل الزمن في هذا المتن متلازما بالمكان، ومقترنا به إلى حد كبير، بحيث لم يكن باستطاعتنا فصلهما عن بعضهما البعض، إضافة إلى حضور زمن نفسي يجوب أعماق الروح، ويترجم مرئياتها عبر خطاب صوفي لا يبالي فيه صاحبه بما يدور حوله، وقدر تدلت مرايا الروح في بئر الغروب المجهول، وساحاته المظلمة. لنتساءل عن أهم الخصائص الفنية، والجمالية لكتابة من هذا القبيل، وعن أهم تجلياتها داخل العمل الروائي.
تجليات العتبة
العنوان:
“لا تنس ما تقول” عتبة، برزت على ظهر غلاف الرواية، أوحت بكونها مستوحاة من لغة التداول الدارج في لغة تواصلنا اليومية ولارتباطها أكثر في التداول الخاص ببعض القبائل العربية التي استوطنت منطقة الغرب والشاوية، وهي تذكير للمخاطب (أو الرسول) الذي سيبلغ رسالة، أو خبرا، أو سيدافع عن القبيلة، أو الفخدة التي ينتمي إليها، أو الدوار، أو المنتدب من طرف فئة لتمثيلهم لدى الدوائر المخزنية، أن يتذكر كل شيء، دون أن ينسى تفاصيله الصغيرة.
فعتبات النص “تبرز … جانبا أساسيا من العناصر المؤطرة لبناء الحكاية، ولبعض طرائق تنظيمها وتحققها التخييلي، كما أنها أساس كل قاعدة تواصلية تمكن من الانفتاح على أبعاد دلالية تغني التركيب العام للحكاية واشكال كتابتها، بيد أن عتبات النص لا يمكنها أن تكسب أهميتها بمعزل عن طبيعة الخصوصية النصية نفسها، وبمعزل أيضا عن تصورات المؤلف للكتابة واختياراتها التصنيفية المحددة لقضاياها الأجناسية
غير أن ما سيسترعي انتباه القارئ، وهو يقرأ هذه العتبة أن سياقات توظيفها داخل المتن الروائي جاءت تحمل في طياتها إيحاءات، ترمز إلى التأكيد، والتنبيه، والتذكير، وسيأتي سياقها دالا على المستقبل، وأغلبها جاء على لسان شخص “جعفر المسناوي”، كما في اللحظة التي كان يرد فيها على أحمد الفوال ضابط التحقيقات عندما طلب منه أن ينسى وكأن شيئا لم يكن” أوصيك .. لا تنس ما أقول.. فالنسيان هو فراشنا الذي نأوي إليه. قال جعفر لنفسه بصوت مسموع، ثم لاذ بسهو غريق”
وكذلك أثناء حديثه مع سعيد الحربيلي، داخل القبة” أذكرك بالحرابلة، ولا تنس ما تقول، لأننا جميعا في الصالحية سلالات عاشت نفس التجارب بطرق مختلفة وعلينا ألا ننسى حتى لا نفقد أرواحنا.” ، وكذلك لحظة اختفاء شمس الدين، حيث خاطب الحاضرين،” أيها الرفاق.. لا تنسوا ما تقولون لقد اختفى شمس الذين الصالحي وعاد إلى الرحم الأول”
فالنسيان جاء اساسا كصيغة لتحقيق الوجود ضد العدم، والحياة ضد الموت في إشارة إلى الماضي، والمستقبل في آن معا. يقول الراوي: “المهم أنه رآه وسيروي للآخرين.. وفهم أنه على اتصال بهم في السماء لا يفرقهم الزمن أو يعلوهم النسيان” . وستبرز في مكان آخر من الرواية كعتبة معكوسة ” أوصيك .. لا تقل ما ستنساه”..
و”يؤسس العنوان في الخطاب الرواي موقعه الخاص والمتميز، إنطلاقا من بنيته التركيبية والسيميائية كما يعلن عن وجوده بصفته” نصا مصغرا “Micro-texte” مولدا لسننه الخاص. وباعتباره مكونا متميزا، في سياق فضاء صفحة العنوان”Page de titre” الزاخرة بالعلامات اللغوية والتشكيلية، لا يفترض العنوان الاستقلال التام عن النص، فهو بالتالي عنصر من مجموعة العناصر المكونة للخطاب الروائي برمته”
وعنوان هذا المتن يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أنه جاء ضد النسيان، الذي رافق سلالة الحرابلة لقرون عديدة. ليظل بهذا المعنى مرجعا “يتضمن بداخله العلامة والرمز، وتكثيف المعنى، بحيث يحاول المؤلف أن يثبت فيه قصده برمته كليا أو جزئيا، إنه النواة المتحركة التي خاط المؤلف عليها نسيج النص دون أن تحقق الاشتمالية وتكون مكتملة.. والعنوان بهذا المعنى يأتي باعتباره تساؤلا يخبر عنه النص إجابات مؤقتة للمتلقي، كإمكانية الاضافة والتأويل” يقول السارد” النسيان أهم خواص الحياة. ذاكرتنا بلا ذاكرة. ما ذا لو كنا لا ننسى. ماذا لو كنا بلا علبة خلفية تسقط فيها الاحداث التي تمر في حياتنا، طارئة أو مقدرة. ماذا لوكنا لا نموت وتتكرر حياتنا”
ظلال بين الحلم والرؤيا
تتجلى ظلال الرؤى منذ الفصول الأولى للرواية، عبر إشارات دالة ممزوجه بنوع من الغرابة، التي تستفز الروح، وتستنفر الحواس، وهي تكشف عن نوع من الشخصنة العجيبة من خلال تخاطر روحي بين شمس الدين وديكه يقول الراوي: ” فخطا الديك نحوه بخطى ثقيلة… دون أن ينظر إلى صاحبه، قبل أن يختلس نظرة خاطفة كأنه أبصر في يقظته ما رآه شمس الدين في غفوته السريعة”.
وسنلمس تداخلا بين الرؤيا والحلم، من خلال ماء ذكره على لسان سليمان الغنمي، و نشير إلى أن “مادة الحلم الكامنة هي التي تحدد المضمون الظاهر في أدق تفاصيله تقريبا، وكل تفصيل من هذه التفاصيل لا يشتق من فكرة منعزلة، وإنما من عدة أفكار مقتبسة من تلك المادة الأساسية وغير مترابطة فيما بينها بالضرورة. بل من الممكن أن تكون منتمية إلى أشد ميادين الأفكار الكامنة اختلافا. إن كل تفصيل من تفاصيل الحلم هو ، بكل معنى الكلمة، تمثيل في مضمون الحلم لزمرة من زمر الأفكار المتنافرة تلك”
وسيتكرر هذا التخاطر في حضرة والده الذي كان يستشعر ذبذبات ذلك الحلم الذي ينتاب ابنه شمس الدين كلما رافقه نحو الربوة. رؤى خاطفة، لم يكن الصغير ليجد لها تفسيرا منطقيا. يقول الراوي:” سأله والده إن كان رأى حلما جديدا كما تعود، كلما رافقه إلى الربوة… فأشار إيجابا برأسه وقبل يده،” ويتساءل عبد الفتاح كيليطو قائلا: “أليست رواية حلم هي سلفا تأويله، أي تحريفه؟ … هكذا إذن أنا أختلق وهما ! أحتمي وراء حلم لم أحلمه، بزعمكم، لكي أطالب بعدم المسؤولية والإفلات من غضبكم !الحلم مغفور، إنه من عمل اللاوعي، ولا يعاقب الناس بسبب أحلامهم. ومع ذلك .. هناك أحلام لا تروى، تحت طائلة الموت، الحلم” ركام من ليل قديم” كما يقول إله الغاب عند مالارمي… يعامل بتسامح، يغض الطرف، هذا هو التعبير المناسب، على هذه الانحرافات. شريطة أن يكون الحالم… عن حسن نية”
لقد برز شمس الدين كشخصية محفوفة بسحر غريب، وبهالة من الهيبة والقداسة، شخصية هادئة وكتومة، تحمل جلال الأتقياء، وهالتهم و وقارهم. وقد جسدته أحلامه ورؤاه المتعددة التي كان يخص بها دائرته المقربة من الأصدقاء” ف” الرؤية الصوفية… هي قهر للضرورة في الكون. وتمزيق للحجب، للوصول إلى الحرية التي هي فهم لقوانين الحكمة التي يسير عليها الكون، وبذلك تتحول الضرورة التي كانت عمياء إلى ضرورة مبصرة، تتحول إلى حرية البشر، عندما يكتشفون تلك القوانين.
فأعمق تحقيق للحرية هو في جوهره أكمل معرفة بالضرورة.. وبهذا المنحى تكون الرؤية هي (أرض الصوفي) التي ما ينفك يرتحل فيها، مكتشفا ما لم يكتشف بعد، وكاشفا عما أضمرته “الرؤيات” الأخرى لتسييد براءتها، وتخصيب مفاعلها في الأرض” وسيخاطب شمس الدين أصدقائه ” بشأن حلم يراوده منذ طفولته ثم يختفي لفترة ويعود من جديد. يرى أن سعيد الحربيلي بنى له، في المكان الذي هم فيه(الربوة/ باب السماء)، قبة محاطة بسور، بناء لا بذخ فيه “وهو الحلم الذي سبق وأن أخبر به شمس الدين والده” حينما سأكبر سأبني قبة بالربوة. هناك، أرى كل شيء، ولا يراني أحد”..
“والحلم كتفجير وطاقة تدمر الواقع وتعيد بناءه وتشكيل ملامحه عبر اللغة والتخييل، وهي تجليات لتحقيق اشتغال المخيلة الروائية وتأسيس منحنى خاص في البناء والدلالة عبر الاستذكار والتشخيص فالعلامات المكانية وإن كانت تحيل على مرحلة من مراحل التاريخ الوطني وعلى الذات الجماعية، فهي ذات الآن تؤشر على قلق فردي ومساءلة غير بريئة للذات والتحولات والمواقع والاختيارات”
يقول الراوي: “أرهقه الحلم، وملأ ليله خيالات، حتى اعتقد أن خزائن لا شعوره، التي تحتفظ بجينات قديمة لسلالاته، تريد أن توجه لأمر ما… (دعا أصدقائه) فجلسوا يناقشون مشروع بناء القبة”.
“يكمن الشطر الأكبر من عمل الحلم في خلق تحولات وانتقالات في غاية الدهاء أحيانا، ولكن تبدو لنا مع ذلك في كثير من الأحيان مصطنعة. وهي تفيد في الوصل والربط بين مضمون الحلم وبين الفكرة الكامنة نفسها، المختلفة في شكلها وفي مادتها، المصاغة من قبل الظروف التي استدعت الحلم.” كما كانت تنتاب شمس الدين رؤى تكشف له عما سيحدث له من خلال علامات تحذيرية أحيانا، كان عليه أن يجهد نفسه في تأويل دلالتها، وأبعادها كما حدث له قبل لقائه بالرداد التي خطط لقتله بالسم على يد المعطي “ما رآه في السماء، لم يستطع تأويله لحظتئذ. لا يملك بعد تأويل العلامات الشاردة. فقد كان تحذيرا له بما سيقع في اليوم الموالي. ربي الواحد الأحد، الرحيم الصمد”..
وإلى جانب هذه الرؤى التحذيرية كانت كل القرائن تشير إلى أن شمس الذين، هو الشخص الموعود بحمل مشعل السلالة “رفع بصره، فصادفت عيناه عينيه. ارتعش كل جسمه وتراجع إلى الوراء حابسا أنفاسه. هذا يوم ليس كباقي الأيام.. لا يهم أن يكون صالح أو محمد، أو علي أو أي واحد منهم، المهم أنه رآه وسيروي للآخرين.. وفهم أنه على اتصال بهم في السماء لا يفرقهم الزمن أو يعلوهم النسيان” ..
وهي مؤشرات بقدر ما أضفت على شخصه هالة خاصة، رفعته إلى مصاف الموعودين من الأصفياء من بين أفراد سلالة بويا صالح، أمر شعر به جعفر المسناوي، وبعض أفراد مجموعته الصغيرة من المقربين. فجعفر المسناوي كان يبجله، ويناديه بلقب خاص، ولا يفرق بينه وبين الصالحية في خطاب يندمج فيه المكان بالشخص..
يقول الراوي: “جعفر المسناوي يناديه .. بشيخي” ويدعي أنه لا يرى فرقا بينهما- كلاهما- يحب الصالحية” قلعة بويا صالح” أم البساتين”، أمر يبرره الراوي بل يعمل على ترسيخه منذ البداية في مخيلة القارئ بدء بما يخامر بطله، وكذلك من خلال ما سيبسطه من تفاصيل خاصة بالخلوة ومكانها، وطقوسها الخاصة بالنسبة لآل الغنامي، وما يحيط بها من أسرار كاب من أبواب الصالحية التي ظلت مخفية عن الجميع” الحياة ليس ما يراه، ولكنها متفرقات في خزائن الزمن والروح، تجتاح من يراها ويحس بها، لذلك فهو يمجد الطبيعة في سخائها الغامض، وجبروتها، لأنها تقوده باتفاق مع الزمن والأقدار الخافية، إلى الحياة وأبوابها الخفية”.
وسيتعضد هذا الطرح من خلال الكشف عن طقوس خلوة آل الغنامي في فدان باب السماء، على ربوة حفها الراوي بنوع من القداسة ومرر معطياتها بجرعات متكافئة، انطلاقا من وصفها، والكشف عن هالتها الوجدانية والروحية، وتحديد موقعها، الذي ظل سريا عن العامة باعتبارها بابا من الأبواب السبعة، التي لم يتم الكشف عنه بعد” ومن عجائب ربوة فدان باب السماء أن الناظر إليها، ومن بعيد يراها مثل رحى دائرية كبرى، نزلت من السماء، لتحرس الغابة والنهر، والسهول، والرياح، والقبائل السبعة، وما خفي في هذا العالم” ولها (الربوة) رمزية خاصة كشف عنها شخص جعفر المسناوي” الواقف، هنا بهذه الربوة، كأنما يقف أمام أقرب باب إلى الله، فما أدراكم بالذي يختلي واقفا على أعتاب الرحمان”..
إنها ربوة مقدسة وباب من أبواب السماء الذي تنعتق فيها الروح ويتحرر فيها الجسد من كل أدران المادة.، وفيها تمارس طقوس ” لمدة ثلاثة أيام في ضيافة رب العالمين، بعيدا عن هذه الدنيا،” سترسخ بداخل شمس الدين احساسا خاصا منذ زيارته الأولى رفقة والده. كما تعتبر المكان الأمثل الذي يجسر عبورا سريا تتخاطر فيه ارواح الأحفاد والأجداد. يقول الراوي: ” … قضيا نذرهما … في صمت وصوم، لا يفطران إلا بالقليل من التمر والزميتة، ويقضيان معظم النهار في فسحة البستان تأملا في الملكوت والنظر إلى السماء طويلا… وبعيد المساء تكون روحهما قد ارتوت بألق الوجود وامتلأت بالرغبة الصافية للحلول في الصلاة والتطهر بالأذكار السامية”، وخلال فجر اليوم الرابع يعود ووالده أدراجهما نحو الصالحية.
وسيتأكد هذا الأمر فيما بعد، من خلال الحوار الذي دار بين البطل شمس الدين وبويا صالح بالخلوة، ومن خلاله نستشف ما كان يمور بداخل نفسه من هواجس، سيتم الكشف عنها ليتأكد له ما عليه القيام به من أدوار بالنسبة للحرابلة ”
انتظرتك ثمانية قرون في خلوة بجوار ربي الرحمان الرحيم. ثمانية قرون وأنا أنتظرك فلا تخذلني.
لا قدرة لي على قناع يخفي وجهي وملامحي. يكفي أني أتكلم لغة لا أجدها، وأحيا حياة تولد في الصباح وتموت في المساء.
فتح عينيه وهو داخل الكهف وسط ظلام عاجز ورياح نافرة يسمع صراخها الكتوم.. فأحس أنه تحول إلى خيال بداخله نار مشتعلة منذ الأزل”
تجليات الخطاب الصوفي
نلمس حضور هذا الخطاب بمميزاته الخاصة، وبلغته الضاربة في أعماق الروح، خطاب تنكشف بوادره عبر مناجاة صامتة، أو عبر تحديق في الفراغ، كما ينبجس أحيانا عبر مواقف وتساؤلات، وتداعي حر يأتي خارج السياق، أو تعبيرا عن موقف لا يمكن تبرير طرحه، أو تفسيره بشكل منطقي، ما دامت له امتداداته المبهمة، كما حدث خلال حوار شمس الدين و صفاء الزناتي “وكلما سألته عن نفسه، يقول لها إنه لا يدرك إلا من خلال الأخرين”..
وكذلك خلال حديث شمس الدين عن الزمن والذي استحوذ على حيز مهم داخل الرواية ” ليس هناك باب للزمن، ولا أحد يستطيع أن يثبت دخوله إليه، أو الخروج منه، وما الولادة والوفاة إلا أحداث عابرة، يدركها البلى والنسيان سريعا. لذلك، خلق الله الإنسان، والكون، والحياة، وخلق معهما الزمن حارسا يحسن تدبير كل شيء، وهو الزمن الذي يجيد اللعب، ويسمي ذلك حظا ومصادفات”،
وسيقوم بتقديم تفاصيل أكثر دقة عن هذا التصور، وبمبررات خاصة من خلال تقديم وجهات نظر أصدقائه حول الزمن” ،كجعفر المسناوي باعتباره رجلا، حالما”، يمجد الشمس كلما هبط الظلام، ويعتبر الفجر والغروب من جنس واحد، وما النهار إلا أكذوبة قديمة صدقها الجميع، فيما تحقق بكون أجدادهم، الذين صاروا جزء من التراب والذاكرة، هم أول من أدركوا أنهم يعيشون بلا زمن.. أو يحيون في التوهم فقط.
في حين تنجلي خاصيات هذا الخطاب بجلاء كلما كان بين شمس الدين وذاته “لا أريد أن أفهم شيئا، فكل التأويلات تقتل المعاني الجميلة وتفضح أسرارها، لقد ثملت فهما حتى أدركت الخواء.. وامتلأت حتى خويت.. وحييت حتى مت. أريد أن أحيا وسط أسرار اللحظة.( قال شمس الدين بصوت كظيم)، فالزمن يستحضر بأشكال متعددة، وبمنطق يتجاوز الواقعي بانغماسها في خيال جامع وتخييل فاره “هل نعيش الزمن، أم هو الذي من يعتاش على أيامنا.. يقتات منها ولما تنفذ يقتلنا؟”، وكذلك ما جاء على لسان السارد” كان أناه ولا أناه، شمس الدين وشمس الله وأنواره التي أضاءت كل التجاويف المظلمة وقد حفرتها الأيام في غفلة عنه”، و” تختلف الصورة العلمية للزمان اختلافا جذريا عن صورة المكان.
ونظرا للتباين التام بينهما كمجالين للممارسة البشرية، فإن الربط بأي شكل جوهري بين الزمان والمكان قد لا يبدو أمرا بديهيا. غير أن علماء الرياضيات لهم رأي مختلف، حيث أن وصفهم للزمان يكاد يتماثل مع وصفهم للمكان، فضلا عن أن الحركة تعد حلقة وصل بين الزمان والمكان، بل إن دراسة حركة الأجسام والاشارات الضوئية تكشف عن أن المكان والزمان هما في الواقع إلا مظهرين لبنية واحدة تسميه المكان- الزمان” ولعل العودة إلى الحوار الذي دار بين شمس الدين وسعدية يكشف عن المنظور الخاص لمفهوم الزمن.” قالت سعدية وهي تخفي ارتباكها: كم الساعة؟
دنوت منها وأنت سعيد، وقلت لها: لا ساعة بعد اليوم.. لا يغرنك الزمن.. لقد مات وأنت الباقية.”، كما نعثر على مفهوم أخر للزمن من خلال الحوار الذي داري بين شمس الدين وصلاح الشوني” نحن أبناء لا شرعيون للزمن يا بويا” ، ولعل هذا الطرح يأخذ معنى أعمق، معنى فلسفيا متشح برمزية عالية جدا، “قال شمس الدين لجعفر عبر الهاتف في وقت متأخر من الليل: حياتنا حدث واحد، وما تبقى تفسير لكل ما وقع وما سيقع”،
في حين يتحول الزمن هو حكاية الحرابلة ذاتها، وهو ما لا يسمح بتحديده كذلك كما جاء على لسان شمس الدين “قال الزمن: إن الحكاية في نفوس أهل الصالحية هي روح خفية أشبه باليقين، لا إثم فيها ولا فجور”، ومن تم ستأخذ معناها ودلالتها التاريخية” من لا تاريخ له، لن يخطو نحو المستقبل بشكل طبيعي. ومن لا ذاكرة له لن يستطيع التحديق في الشمس. أما الخيول الرابضة في دروب مجهولة بالغابة والسماء فهي في الإنتظار” ،
ويقدم السارد تصورا خاصا للزمن قدم خلال حديثه عن مفهوم الحياة في ارتباطه بالزمن لدى بطل الرواية” الحياة ليس ما يراه، ولكنها متفرقات في خزائن الزمن والروح، تجتاح من يراها ويحس بها، لذلك فهو يمجد الطبيعة في سخائها الغامض، وجبروتها، لأنها تقوده باتفاق مع الزمن والأقدار الخافية، إلى الحياة وأبوابها الخفية” ، فالزمن سفاك وقاتل في النهاية” هل نعيش الزمن، أم هو الذي من يعتاش على أيامنا.. يقتات منها ولما تنفذ يقتلنا؟”
و سيبرز شمس الدين، كشخص موعود لمهمة جسيمة، وتعمل قوى خارقة على توجيهه، وتخصه بعلامات يتلمسها في الأشياء من حوله، كما تحرره من كل القيود المألوفة ” في يناير تتخلص ذاكرة شمس الدين الغنامي من أوهام الأزمنة، ليستعيد الذاكرة الأصلية لجدهم الأول، فيحب الشمس والقمر والأرض، ويعبدهم عبادة العاشق الذي يخر ساجدا في كل لحظة، ولا يخامره شك في السماء التي تحرسه وتدون أفعاله، وأن الهدف في هذه الحياة نفسها، وليست شيئا آخر”
ولعل هذا الطرح له ما يبره من سلوك سابق قام به جعفر ، وجاءت كذلك كفراسة على لسان الطاهر السليماني، عبر عنها من قبل، وأسر بها لشمس الدين، وهو يحدثه عن بويا صالح” لأنه يعرف أنك ستولد من صلبه الساخن. إنه مطمئن أنك واحد من حفدته كونك تعرف قيمة السلالة، وما فوق و تحت التراب. أتعرف أني صرت متأثرا بما يحكيه جعفر عنه، وحينما لا تكون معنا ينسى بويا صالح ويتحدث عنك. أصبحت أؤمن أنك المصطفى في حياتنا .. فلا تخذل جدك وجدنا. لا تخذلنا جميعا”
و كان شمس الدين يعمل ظاهريا على دحض هذا الطرح، ويقدم حوله العديد من المبررات، التي يحاول بها أقناع مخاطبيه” أنا أكثركم أثاما وذنوبا. لعل المسناوي يقصد أني أكثركم حبا لبويا صالح. أتشبه به وأريد أن أكونه. لكنني عاجز دائما دون أن أيأس. أنا لست هو. أنا شمس الدين الغنامي. بل أنا هو. لقد أوهمكم جعفر بأشياء كثيرة يراها في خياله الذي سيحاسب عليه وحده يوم القيامة”، غير أن محاولة التنصل هذه تظل واهية كلما برزت هواجس الذات طافية عبر لغة المونولوغ وهو يخاطب نفسه حائرا “أه يا نفسي .. روحي تستعيد ترنيمتها الأولى، وتتلمس نبوءتها القديمة، وسط اللازمن، والموت والحزن والتذكر والليل، فطلعت كلمات ربي كأنها هبت نحوي مباشرة، بلا ريب انفجرت مثل ماء ساخن في مفازة قاحلة” ( قال داخله مرة أخرى) ”
ونلاحظ أن هذه الحوارات الداخلية ” تبنى على ازدواجية الصوت، فسواء أكان الصوت الثاني باطنيا أو غيريا فإنه يدخل في بنية نفس الخطاب، ليخلق نوعا من الحوارية التي تتراوح بين التناقص حين يكون الصوت الثاني ممثلا مع صوت الآخر المعارض وبين الاتفاق النسبي الذي يقلل من درجة الحوارية، حين يكون الصوت الثاني غير محددا، لكنه مندرج ضمن كلمة الذات الملتقطة وكأنه كلامها هي”..
وحري بنا أن نطرح هنا سؤالا مشروعا، لماذا كان شمس الدين ينفي عن نفسه أن يكون هو المصطفى في حياة الصالحين؟ أو بكونه رمزا من الرموز المعاصرة للسلالة، في حين أن مجرى الأحداث سيبرز عكس هذا الطرح من خلال وقائع ناطقة كما حدث له مع الرؤية التي راودته حين كان في ضيافة صديقة الطاهر السليماني، يقول الراوي “رفع بصره، فصادفت عيناه عينيه. ارتعش كل جسمه وتراجع إلى الوراء حابسا أنفاسه….المهم أنه رآه وسيروي للآخرين.. وفهم أنه على اتصال بهم في السماء لا يفرقهم الزمن أو يعلوهم النسيان”
فالرمز ” يعتبر … حقيقة كونية حاضرة في كل شيء حتى في الحلم والرؤية والسماع والحركة والرقصة، وهذه الحقيقة الكونية هي التي تجعل من سلوكها فنا للحياة منفتحا على الانهائي.. إن الصوفي يتمكن من اكتشاف الزمنية المتجددة للتجلي لكونه غير ثابت، وغير مستقر، فهو في سفر دائم ومنفتح على حكمة الكون، لا تثبت في وعيه إلا حقيقة واحدة هي التجدد واللانهاية. كل كشف يصل إليه يفضي به إلى كشف آخر، ولكنه عبر سفره وسلوكه وكشوفاته لا يخرج عن دوائر …. التقيد بالإمكان لا المطلق، … ودائرة الأعيان الوجودية.. ودائرة التحول والتجدد، تبعا لتجدد التجليات الإلهية..”
إن الهالة التي اكسبها شخص شمس الدين ترفعه لمرتبة راقية جدا، كقديس، أو ولي منذور لنبوءة أو رسالة، سواء من خلال ما حكي عنه، ” كان أناه ولا أناه، شمس الدين وشمس الله وأنواره التي أضاءت كل التجاويف المظلمة، وقد حفرتها الأيام في غفلة عنه”
ويتجلى كذلك من خلال سلوك شمس الدين الذي يذكرنا ببيدق عبد المومن بن علي، والكاتب لسيرته” قام جعفر و هو ما زال مواصلا تلاوته، فركع أمام شمس الدين الذي لم يكن ينظر لأحد، وشرع يبكي ثم أخذ بيديه يقبلهما طويلا وشمس الدين غارق في سهو عظيم”
وصورة القداسة هاته سيتم تعزيزها بمشهد فريد جدا، مفعم بالغرابة، من خلال حادث احتفاء شمس الدين الذي كان حينها محفوفا بأصدقائه داخل القبة، وهم منخرطون في حلقة الذكر.” قام جعفر مذعورا يبحث عن شمس الدين فلم يجده. بحث خارج الخيمة وفي القبة ثم عاد يجري وصاح في النائمين المرتمين فقاموا للتو هلعين: أيها الفقراء المسالمون. أيها الرفاق.. لا تنسوا ما تقولون لقد اختفى شمس الذين الصالحي وعاد إلى الرحم الأول”..
وهو الاختفاء الذي أعادنا لواقعة مماثلة تم الحديث عنها أثناء إثارة سيرة علي النسر في قصة رحلة الحرابلة” سهروا يتلون الأيات ويتغنون بذكر الله، وفي الفجر التفتوا فلم يجدوه وهو الذي كان بينهم ولم يفارقهم، فأعلنوا اختفاءه… فأسرعوا إلى الجبل لإخبار الصامد، ..(الذي اختفى هو الآخر) وقالت أمه التي كانت عمياء بأنه اختفى وسيعود مع أجداده، وأمرتهم بألا يحزنوا عليه أو على الشيخ النسر”..
ولعل المثير في خطاب جعفر المسناوي، هو ورود لفظة “الصالحي” عوض “الغنامي” في الدلالة على شمس الدين، وفي إشارة عميقة على الامتداد السري للسلالة، والانتماء إلى الجد الأول بويا صالح، وتأكيدا على قداسة شمس الدين، وشمس الحق، وشمس الله….
(°)ناقد وقاص مغربي، من أعماله “جمالية القصة العربية القصيرة جدا”، “دموع فراشة”، “ذكريات عصفورة”، “مذكرات أعمى”، “أسرار شهريار” (عمل مشترك)، “حياة واحدة لا تكفي”..
(°°) فازت بجائزة المغرب للرواية عن سنة 2020، وهي جائزة تمنحها وزارة الثقافة
(°°°) كاتب وروائي، يرأس مختبر السرديات وتكوين الدكتوراه حول السرديات ومنسق ماستر السرد الأدبي والأشكال الثقافية، رئيس تحرير مجلة سرود، من رواياته: “مساء الشوق”، “زمن الشاوية”، “رائحة الجنة”، “مجازفات البيزنطي”، “أنا أيضا”، “تخمينات مهملة”، “لا أحد يستطيع القفز فوق ظله”، “كتاب الأيام”، “أسفار لا تخشى الخيال”، “تراب الوتد”، “سطات”، “لا تنس ما تقول”، ومن أعماله في مجال النقد الأدبي “شعرية الرواية الفانتاستيكية”، “الرحلة في الأدب العربي”، “هوية العلامات”، “في العتبات وبناء التأويل”، “مرايا التأويل”، “ثقافة النص الروائي”…
تعليقات
0