الرسالة الحدث: قراءة في سياق و دلالة رسالة الأستاذ إدريس لشكر إلى بيدرو سانشيز ..
إدارة النشر
الأربعاء 2 يونيو 2021 - 22:49 l عدد الزيارات : 19948
الوطنية الصادقة والزعامة المستحقة لا تبرزان حقا وحقيقة إلا في زمن الشدة حين يحتاج فيها الوطن إلى مبادرات مبدعة ومواقف شجاعة وجريئة لا يكتنفها لبس ولا يحكمها حساب. كذلك كانت سيرة أبناء هذا الوطن وبناته في مواجهة العدوان الخارجي والاستبداد الداخلي، بدءا ببطل الريف وانتهاء بعبد الرحيم مرورا بمحمد الخامس والمهدي بنبركة وعلال الفاسي وعبد الرحمن اليوسفي ومحمد بن سعيد ومحمد اليازغي، ومن سار على هديهم في الدفاع عن استقلال المغرب ووحدة كيانه الوطني، وأسهم بقسط ما في معركة التحرير والديمقراطية.
على يد هؤلاء جميعا تتلمذ الكاتب الأول للاتحاد الأخ إدريس لشكر وإخوانه وأخواته في المكتب السياسي… ولذلك كان من الطبيعي أن يبادر الأخ الكاتب الأول إلى بعث رسالة قوية إلى بيدرو سانشيز بصفته رئيسا للحكومة والكاتب الأول للحزب الاشتراكي الاسباني في خضم الأزمة المغربية الإسبانية الناجمة عن استقبال اسبانيا لرئيس عصابة البوليساريو، وهي:
↵ رسالة عميقة وشاملة، استحضرت التاريخ الاستعماري لاسبانيا التي احتلت لفترات تاريخية طويلة أجزاء من التراب المغربي في شمال المملكة وجنوبها، وما صاحب ذاك الاحتلال الغاشم من حروب قاسية لم تتورع فيها اسبانيا عن استعمال الغازات السامة ضد الشعب المغربي الذي لم يرضخ يوما للقوى الاستعمارية، فقاوم بكل ما ملك من عزم وإرادة جيوش الاحتلال في ملاحم يشهد التاريخ على ضراوتها في الشمال والجنوب، وكانت أقاليمنا الصحراوية في الجنوب آخر حلقات مسلسل التحرير والوحدة.
↵ رسالة مفعمة بغضب الاشتراكيين المغاربة تجاه تنكر رفاقهم الإسبان لقيم السلم والتضامن، ونزوعهم إلى التهجم على بلد جار سعى دوما إلى تجاوز مخلفات المرحلة الاستعمارية من خلال بناء شراكة حقيقية مع اسبانيا والاتحاد الأوروبي. لقد اعتبرت رسالة الكاتب الأول إلى بيدرو سانشيز زيارة هذا الأخير لسبتة السليبة سلوكا عدائيا وجنوحا إلى مزيد من تأزيم العلاقات بين البلدين التي تمر فعلا بمنعطف خطير بسبب السلوك الانتهازي للسلطات الإسبانية التي استقبلت فوق ترابها المدعو إبراهيم غالي المطلوب من القضاء الاسباني والمتهم بتعذيب مواطنين إسبان واغتصاب مواطنات إسبانيات. والغريب حقا أن الحكومة الإسبانية المسؤولة، بسلوكها ذاك، عن الأزمة الطارئة بين البلدين، تحاول يائسة القاء اللوم على المغرب، مدعومة من قبل أوساط إعلامية وتيارات سياسية لها تاريخ طويل في معاداة المغرب ودعم جبهة البوليساريو الانفصالية.
↵ رسالة الوضوح ووضع النقط على الحروف بخصوص العلاقة بين الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المنتمي للأممية الاشتراكية والحزب الاشتراكي الإسباني وباقي الاشتراكيين في العالم. مفاد هذه الرسالة أن الاتحاد الذي يعتز بانتمائه للاسرة الاشتراكية العالمية لا يمكنه أبدا أن يتهاون في مواجهة أي مس بالوحدة الوطنية لبلدنا وقراراته السيادية، ولن يقبل يوما باستصغار مؤسساتنا الشرعية ورموزنا الوطنية. فلا ولاء فوق الولاء للوطن، ولا مهادنة ولا مداراة مع من يسعى لهضم حقوقنا التاريخية في استكمال وحدتنا الترابية باسترجاع سبتة ومليلة المغربيتين ترابا وتاريخا وشعبا، والإفريقيتين جغرافية وحدودا طبيعية.
↵ رسالة الدعوة إلى الحوار والجنوح إلى السلم والتعاون القائم على الاحترام والتضامن بين بلدين بينهما من الروابط التاريخية والثقافية والبشرية ما يغني عن إحياء النعرات العدائية، وما ييسر صون المصالح المشتركة والمتبادلة على أساس مبدأ: رابح/رابح. وفي هذا الصدد اعتبر الكاتب الأول للاتحاد أنه قد حان الوقت لمطارحة موضوع سبتة ومليلة والجزر على طاولة المفاوضات وبحث آفاق المدينتين مع مراعاة مصالح ساكنتهما من المغاربة والإسبان.
إنها دعوة صادقة نابعة من رؤية مستقبلية للعلاقات بين بلدين حكمت عليهما الجغرافيا بأن يكونا جسرا بين قارتين، ومعبرا للهجرة والسلع والمخذرات والاستثمارات والعملات والعمالة والافكار وأنماط العيش في الاتجاهين. ويبين تاريخ العلاقات الدولية أن استقرار البلدان ونمائها يتوقف إلى حد كبير على علاقاتها بدول الجوار التي قد تكون دعامة للسلم والتكامل والتضامن وإما سببا في التوتر إلى حد المواجهة العسكرية والعداء والعدوان. في الحالة الأولى تكون المناطق الحدودية فضاءات منفتحة ومجالات للتعاون الاقتصادي، وبالتالي يكون الجوار أساس للتنمية، في حين تكون المناطق ذاتها، في حالة التوتر، سببا لاستنزاف جهود الدول المتجاورة في الحرب النفسية والاقتصادية قبل التهديد العسكري.
وعيا من قيادة الاتحاد الاشتراكي بمخاطر الأزمة القائمة على العلاقات المغربية الاسبانية، وعلى السلم والنماء بحوض البحر الأبيض المتوسط، وآثارها السلبية المحتملة على العلاقات بين الاتحاد الاشتراكي والحزب الاشتراكي الإسباني، وبالتالي على صورة اليسار في المنطقة، أكدت الرسالة رغم قوتها من حيث الشكل والمضمون، على ضرورة تصحيح العلاقة بين البلدين، بناء على احترام المبادئ المؤسسة للشراكة المغربية الإسبانية، بعيدا عن منطق المناورة واعتماد الانتقائية المقيتة في التعامل مع مختلف الملفات التي تهم البلدين. فإما أن نكون شركاء حقيقيين على أساس التزام سياسي وأخلاقي للطرفين، وإما أن يعلن الطرف غير القادر على الوفاء بالتزاماته إنهاء الشراكة. وعلى إسبانيا، ومعها الاتحاد الأوربي ، أن تعي أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس على المستوى الديمقراطي والتنموي والديبلوماسي، ولن يسمح مستقبلا بأن يعامل كدركي يحرس الحدود البحرية لأوربا، ولا كبلد تابع لأوربا اقتصاديا وسياسيا، ولا كمجال تقليدي لنفوذ دولة ما.
↵ رسالة الكاتب الأول في مضمونها ولغتها تتجاوز اللحظة الراهنة لتكون واحدة من المواقف التاريخية للاتحاد الاشتراكي نصرة لقضايا الوطن الكبرى، مهما كانت الظروف، تذكرنا بالموقف التاريخي للقائد الملهم الفقيد عبد الرحيم بوعبيد حين عارض الاستفتاء حول الصحراء، وفضل السجن على السكوت، وتتجاوز الرسالة دائرة الحزب باعتبارها تعبيرا صادقا عن مشاعر الشعب المغربي ومواقفه الثابتة حول القضية الوطنية الأولى. ولأنها كذلك فهي تشكل وثيقة تاريخية، ومصدر فخر واعتزاز لكل اتحادية واتحادي، يقدر الجهود التي تبذلها قيادة الحزب على مستوى الدبلوماسية الحزبية الداعمة للعمل الدبلوماسي الرسمي.
تعليقات
0