عبد الحميد‮ ‬جماهري يكتب عن‮ «‬الباييس‮»‬،‮ ‬والهجرة والصحراء والنظام الملكي

إدارة النشر الإثنين 21 يونيو 2021 - 22:55 l عدد الزيارات : 23003

 

                 بقلم : عبد الحميد‮ ‬جماهري

كان العنوان،‮ ‬على صدر‮ ‬يومية الباييس،‮ ‬لعدد‮ ‬يوم‮ ‬14‮ ‬يونيو‮ ‬الجاري،‮ ‬يشي‮ ‬بأن الموضوع‮ ‬يتعلق بأسباب الخروج من المغرب‮»‬،‮ ‬على ضوء أحداث سبتة الأخيرة،‮ ‬في‮ ‬التقديم الذي‮ ‬وضعته للموضوع تحدثت عن‮ «‬هجرة عشرة آلاف شخص‮» ‬إلى المدينة السليبة،‮ ‬وما استوجبه من‮ «‬أسئلة‮ ‬غياب الأفق في‮ ‬البلاد وسلطوية النظام‮».‬
‮ ‬وإلى هذا المستوى،‮ ‬يبدو أنها لم تغادر الشبكة المعتادة في‮ ‬قراءتها الموضوعاتية لما‮ ‬يقع في‮ ‬البلاد،‮ ‬غير أن الذي‮ ‬يختتم‮ ‬به قارئ اليومية قراءته،‮ ‬هو انتقالها،‮ ‬من الحديث عن الهجرة والحلم الأوروبي‮ ‬لدى جزء من شباب المغرب،‮ ‬إلى ربط تعسفي‮ ‬متحامل بين الحكم الذاتي‮ ‬وطبيعة النظام في‮ ‬المغرب،‮ ‬أي‮ ‬الملكية‮.‬
هل نتفاجأ؟

هل نغضب؟
‮ ‬في‮ ‬الواقع لا‮ ‬يمكن أن نتهم‮ «‬الباييس‮» ‬بأنها تخيط قبعة لرأس لا توجد،‮ ‬ولا أن نتهمها بأنها تلوي‮ ‬عنق الحقيقة ليدخل التحليل الجدلي‮ ‬من ثقب في‮ ‬العقل‮!‬
فإلباييس تدري‮ ‬ما تفعله،‮ ‬ولذلك فهي‮:‬
أولا،‮ ‬تعرف بأن القضيتين،‮ ‬اللتين طغتا في‮ ‬الآونة الأخيرة على سطح الأبيض المتوسط،‮ ‬هما قضية استضافة ابن بطوش،‮ ‬وبالتالي‮ ‬قضية الموقف الإسباني‮ ‬من قضية الوحدة الترابية المغربية،‮ ‬ثم قضية الهجرة التي‮ ‬تداعت لها كل أمم أوروبا،‮ ‬كما‮ ‬يتداعى الأكَلة على قصعة كسكس‮!‬
وكان واضحا أن المقاربة وركن الزاوية لدى الباييس لم‮ ‬يخرجا عن المنطق الذي‮ ‬اعتمدته الديبلوماسية الإسبانية،‮ ‬أي‮ ‬كون الموضوع سبب الأزمة هو الهجرة‮.‬
وفي‮ ‬هذه تكون الباييس تواصل مهمتها في‮ ‬الجهر بمواقف الخارجية،‮ ‬ورئاسة الحكومة،‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬كانت سببا في‮ ‬بداية التناقضات،‮ ‬وتأجيجها‮.‬
ولم‮ ‬يعد سرا أن مقالها ليوم‮ ‬17‮ ‬مايو الأخير،‮ ‬بإيعاز من‮ «‬مونكلوا‮»‬،‮ ‬كان له وقع صب الزيت على النار‮.‬
‮ ‬سيكون من المنطقي‮ ‬أن تواصل الباييس‮« ‬سياستها الإعلامية‮ (‬وليس خطها التحريري‮) ‬في‮ ‬الترويج لأطروحة الحكومة في‮ ‬بلادها،‮ ‬من زاوية حشر المشكلة في‮ ‬دخول المهاجرين إلى سبتة المحتلة‮.‬
ثانيا،‮ ‬تعرف‮ «‬إلباييس‮» ‬أن الأصل في‮ ‬الأشياء،‮ ‬بالنسبة للمغرب،‮ ‬هو قضيته الوطنية،‮ ‬والموقف منها،‮ ‬والاستراتيجيات العدائية التي‮ ‬بنتها بلاد الإسبان‮..‬
ولهذا تريد أن تفرغ‮ ‬هذا الموقف من محتواه،‮ ‬عن طريق التشكيك في‮ ‬قدرة المغرب على إيجاد الحل،‮ ‬وتحرير إسبانيا من الإجابة عن الأسئلة التي‮ ‬طرحتها الرباط،‮ ‬بهذا الخصوص‮.‬

كيف ذلك؟
بالاستعانة بتصريحات المناضل الجذري‮ ‬فؤاد عبد المومني‮ ‬اعتقادا منها أنها ستضرب مشكلتين بحجر واحد‮.‬
سبب الهجرة هو النظام السلطوي‮ ‬والخلاصة أن إسبانيا بريئة‮ ‬والمغرب هو المسؤول عن المعضلتين‮.‬
في‮ ‬الواقع لم تأت التصريحات بجديد،‮ ‬في‮ ‬ما‮ ‬يخص مصدرها،‮ ‬والجديد هو تحيينها ووضعها كموقف‮ «‬شجاع‮» ‬وحده صاحب التصريحات‮ ‬يمكنه الإدلاء به في‮ ‬هذه الآونة،‮ ‬لتضعه خارج الجدار المتحرك كما رسمه القائد عبد الرحيم بوعبيد،‮ ‬رحمه لله،‮ ‬في‮ ‬الدفاع عن الديموقراطية والوحدة معا‮.‬
يقول الرفيق عبد المومني‮: ‬
‮«‬الاستبداد الملكي‮ ‬يمنع حل نزاع الصحراء،‮ ‬والذي‮ ‬بدوره‮ ‬يمنع تطور المغرب والمنطقة‮».‬
‮«‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون هناك استقلال ذاتي‮ ‬حقيقي‮ ‬في‮ ‬دولة‮ ‬يتمتع فيها الملك بسلطة مهيمنة على السلطتين التنفيذية والقضائية‮».‬
‮«‬سيستمر هذا الوضع في‮ ‬دفع المسؤولين المغاربة نحو استراتيجيات تضر بجيرانهم‮».‬
وعلى‮ ‬غير ما تعتقده‮ «‬الباييس‮» ‬فهذه الصيغة ليست جديدة بالمرة،‮ ‬بل هي‮ ‬صيغة متحورة لمقولة قديمة،‮ ‬لطالما رددتها قوى اليسار الراديكالي‮ ‬من صناع البؤرة الثورية،‮ ‬مفادها أن‮ «‬النظام‮ ‬شرع في‮ ‬التحرير للتنفيس عن تناقضاته الداخلية‮» ‬تارة،‮ ‬أو‮ «‬لتجريب إمبريالية صغيرة في‮ ‬الجنوب‮».‬
هذا التيار الذي‮ ‬يعبر عن نفسه في‮ ‬مغرب اليوم بكل حرية،‮ ‬وببيانات تنشر على العموم،‮ ‬كان‮ ‬يروم وقتها أن‮ ‬يستدعي‮ «‬لينين‮» ‬على وجه الثورة ليقدم الخدمة لفرانكو‮ ‬أو لنظام الهواري‮ ‬بومدين،‮ ‬وتحالفهما المبتذل والهجين،‮ ‬الذي‮ ‬يعاد تركيبه اليوم في‮ ‬سلالة متحورة من التحالفات‮ ‬غير الطبيعية‮.‬
بقراءة‮ «‬التراث الجيو-جدلي‮» ‬إذا صح التعبير لهذه المدرسة،‮ ‬نعرف بأنها تميل إلى حلول في‮ ‬قضية الصحراء ليس من ضمنها وحدة الوطن‮. ‬وعليه فإن التشكيك في‮ ‬قدرة المغرب على الالتزام بالحكم الذاتي‮ ‬بالصيغة التي‮ ‬وردت بها في‮ ‬استشهادات‮ «‬إلباييس‮»‬،‮ ‬لا‮ ‬يريد الدفع نحو المزيد من الديموقراطية،‮ ‬ولا فصل السلط،‮ ‬ولا حسن الجوار،‮ ‬بقدر ما أنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يدعو إلى أفكار ومفاهيم بالخُلْف،‮ ‬يحتفظ بها المستودع الإيديولوجي‮ ‬للأفكار المتقادمة كتقرير المصير،‮ ‬تلك الذي‮ ‬يؤمن بها من قال بهذا‮.‬

طيب،‮ ‬كيف نقرأ هذه المواقف،‮ ‬على ضوء المقارنة بين دولة قائمة بنظامها الألوفي،‮ ‬وبين حركة انفصالية تدعو إلى تقرير المصير،‮ ‬لم‮ ‬يستطع زعيمها أن‮ ‬يداوي‮ ‬نفسه،‮ ‬لولا وثيقة مزورة واسم مستعار وسعار إسباني؟
إن الخلاصة واضحة إن الفكرة تعني‮ ‬أنه‮ ‬يمكننا أن نستأمن حركة ستالينية عسكرية،‮ ‬تأتمر بأوامر نظام دولة بلا مشروعية ثابتة ويحكم شعبه بالزنازن،‮ ‬على ميلاد دولة مستقلة،‮ ‬لكن لا‮ ‬يمكن أن نستأمن نظاما ملكيا،‮ ‬ليس في‮ ‬حاجة لإثبات شرعيته،‮ ‬التاريخية والدينية والدستورية والشعبية،‮ ‬يعمل منذ عدة عقود على توسيع وعاء السيادة الديموقراطية،‮ ‬نظام سياسي‮ ‬استطاع أن‮ ‬يفتح كل مشاكله،‮ ‬من الانتقال الديموقراطي‮ ‬إلى صفحة الماضي،‮ ‬مرورا بأسئلة الفقر والتنمية والفساد‮ ..‬هذا النظام،‮ ‬حسب تصريحات‮ «‬إلباييس‮» ‬،لا‮ ‬يمكن استئمانه على تعددية الحكم الذاتي‮ ‬ومصداقيته تحت السيادة المغربية‮…‬
للفصل نقول‮: ‬إن الربط بين الوحدة الترابية وبين الديموقراطية،‮ ‬ربط جدلي‮ ‬قائم في‮ ‬أدبيات اليسار الوطني،‮ ‬المنبثق من الفكرة التقدمية الوحدوية،‮ ‬حتى في‮ ‬أصعب الفترات‮.‬
وللتذكير فقد بدأ العمل من أجل الوحدة الترابية،‮ ‬وفي‮ ‬الترافع لأجلها،‮ ‬قبل بداية ملامح الدولة الوطنية المستقلة بشكل كامل وتواصل في‮ ‬معمعان أتون الصراع مع تيارات الحكم البوليسي‮. ‬دولة الزمن الأوفقيري،‮ ‬ومع اختطافات واعتقالات واغتيالات السبعينيات،‮ ‬ولم‮ ‬ينل ذلك من قدرة المقاومين والمناضلين الوحدوية مع نظام عدو إذا صح التعبير‮.‬
ولعل الذي‮ ‬يذكر الشهيد عمر بن جلون ورفاقه الأفذاذ من أمثال إسماعيل عبد المومني‮ ‬لن‮ ‬يغفل الترابط بين قوة ترافعه من أجل الوحدة الوطنية،‮ ‬والديموقراطية ليلة اغتياله(تحرير ديموقراطية اشتراكية‮).‬
وعليه،‮ ‬لم‮ ‬يكن الصراع من أجل الديموقراطية،‮ ‬أبدا،‮ ‬عتبة للتشكيك في‮ ‬الحل الوحدوي‮ ‬للقضية الوطنية في‮ ‬الصحراء‮.‬
‮ ‬ولقد كنا نقول دوما مع عبد الرحيم بوعبيد‮ «‬إننا جدار متراص للدفاع عن الوطن،‮ ‬ولكنه جدار متحرك وليس جامدا‮»‬،‮ ‬وليس جدارا تفتح فيها صحف التيارات المعادية ثغرات لا تغتفر‮.‬
والمغرب أدرك،‮ ‬منذ بداية العهد الجديد،‮ ‬أن صوته‮ ‬يصبح مسموعا أكثر مع اتساع الدائرة الديموقراطية والانخراط الوطني‮ ‬الشامل‮ …‬
غير أن التعبئة من أجل المبدأ الديموقراطي‮ ‬لا تعني‮ ‬بالأساس التشكيك في‮ ‬مقترحات بلادنا للخروج من ملف ترابي‮ ‬نعرف من اصطنعه ومن رعاه ومن‮ ‬يريده أن‮ ‬يظل كسيف دمقليس على رقبة المغرب‮…‬
‮- ‬يدرك أصحاب الباييس،‮ ‬من عندنا ومن عند الإسبان،‮ ‬بأن بلدانا ديموقرطية عديدة،‮ ‬راكمت في‮ ‬تاريخها العام وفي‮ ‬تتبعها لمعالم الديموقراطية في‮ ‬الكوكب،‮ ‬ما‮ ‬يجعلها مرجعا وحكما،‮ ‬وهذه الدول،‮ ‬تعتبر بأن الحكم الذاتي‮ ‬حل واقعي‮ ‬وله مصداقيته وقابليته للتنفيذ،‮ ‬فهل‮ ‬يمكن القول إنها سقطت في‮ ‬امتحانها الديموقراطي‮ ‬لأنها تساند المقترح المغربي،‮ ‬علانية وفي‮ ‬المحافل الدولية؟
هل‮ ‬يمكن القول بأنها لا تعرف طبيعة نظامنا ولا تعرف ما تقوله الباييس؟
‮ ‬لقد أفلتت الباييس فرصة أن تكون أكثر مهنية‮( ‬هل نطلب الكثير؟‮) ‬وأكثر دراية بتعقد المشكلة،‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬كانت دولتها دولة احتلال‮ ( ‬ولا تزال‮)‬،‮ ‬وتقدم المعضلة من زاويتها الحقيقية،‮ ‬وهي‮ ‬حق المغرب في‮ ‬صحرائه،‮ ‬والدور المحوري‮ ‬للملكية،‮ ‬منذ عهد محمد الخامس والحسن الثاني،‮ ‬رحمهما لله،‮ ‬إلى عهد محمد السادس،‮ ‬في‮ ‬تأمين الوحدة الوطنية،‮ ‬وفي‮ ‬كل فترات النضج الديموقراطي‮ ‬وعتباته‮. ‬وكان عليها أن تعيد التذكير بأحكام محكمة لاهاي،‮ ‬التي‮ ‬قررت طبيعة البيعة التي‮ ‬ربطت بين الملكية،‮ ‬كتعبير اسمى عن الدولة المغربية،‮ ‬وبين سكان الصحراء،‮ ‬تلك البيعة باعتبارها شكلا من أشكال السيادة المغربية على أقاليم الجنوب‮.‬
أليست النزعة الحقوقية التوثيقية هي‮ ‬التي‮ ‬تحركها الآن في‮ ‬ملف شباب المغرب وحقوقهم الاقتصادية والسياسية والثقافية إلى‮ ‬غير ذلك؟
‮ ‬إن الباييس تعرف وتتجاهل أن كل قادة الوطنية واليسار التقدمي‮ ‬الذين اشتغلوا من أجل ملكية تقود المغرب،‮ ‬واشترطوا عودة محمد الخامس لقبول الاستقلال،‮ ‬ومعنى ذلك أن لا استقلال لا تقوده ملكية مناضلة،‮ ‬وكل هؤلاء القادة،‮ ‬من عبد الرحيم بوعبيد إلى اليوسفي،‮ ‬اشتغلوا إلى جانب الملكية،‮ ‬في‮ ‬ظروف أصعب بكثير من هاته،‮ ‬من أجل الوحدة ولرفع راية المغرب،‮ ‬وكل التقدميين الوطنيين‮ ‬يفهمون معنى الترابط بين الملكية والوحدة الترابية‮…‬
ونسأل في‮ ‬الأخير‮: ‬ماذا كان موقف ملك إسبانيا،‮ ‬فيليب السادس،‮ ‬عندما تقرر ما هو أكبر من الحكم الذاتي،‮ ‬استقلال كاطالونيا؟

هل قبل به؟
هل ضحى بالوحدة من أجل نزعة استقلالية لتقرير المصير؟
أبدا‮..‬
إنه سؤال لا نريد به أن نزكي‮ ‬موقفنا بقدر ما نريد أن نسائل التناقض الصارخ لمن هاجموا بلادنا‮…‬

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image