قضية سليمان الريسوني أو الحقيقة الضائعة بين التوظيف الإعلامي وبلاغ مندوبية السجون
إدارة النشر
السبت 17 يوليو 2021 - 00:23 l عدد الزيارات : 30907
عبد الحق عندليب
حظي ملف الصحفي سليمان الريسوني الذي يوجد حاليا رهن الاعتقال الاحتياطي بسجن عين السبع بالدار البيضاء منذ 22 ماي 2020 بسبب متابعته بتهم جنائية تتعلق ب “هتك العرض باستعمال العنف والاحتجاز” بناء على شكاية تقدم بها شاب يلقب ب “محمد آدام”، أقول حظي هذا الملف بأهمية ومتابعة بالغتين من طرف الإعلام الوطني وعدد من التنظيمات الحقوقية والرأي العام الوطني والدولي. فمن مساند ومتضامن مع الريسوني إلى حد اعتباره معتقلا للرأي ، وبأن اعتقاله يعد انتقاما من جرأته في انتقاد مؤسسات الدولة والقضاء على أعمدة جريدة “أخبار اليوم” لصاحبها ومؤسسها توفيق بوعشرين الذي يقضي عقوبة حبسية تصل إلى 15 سنة بسبب تهم تتعلق بالاغتصاب والتحرش الجنسي والاتجار في البشر، إلى منتقد ومصنف الريسوني باعتباره جزء من جوقة جريدة “أخبار اليوم” المعروفة بمناوءتها للدولة وبدعمها للتيار الإخواني وبمساندتها للمخلوع عبد الإله بن كيران، وبأن ما اقترفه الريسوني يعد جرائم لايمكن الإفلات بسببها من العقاب بغض النظر عن آرائه ومواقفه وقناعاته السياسية. وبين هذا الطرف وهذا الاءعاء وذاك تطلع علينا المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ببلاغ توضيحي حول موضوع الإضراب عن الطعام الذي يخوضه الريسوني والتي وصفته ب “الإضراب المزعوم” و بأنه مجرد ” مناورة تكتيكي الغرض منها دفع القضاء إلى إطلاق سراحه”. وفي هذا الصدد ذكر البلاغ جملة من المعطيات التي يمكن تلخيصها كالآتي: يخضع السجين الريسوني منذ الإعلان عن دخوله في الإضراب عن الطعام منذ حوالي 3 أشهر إلى مراقبة طبية يومية لتتبع وضعه الصحي وذلك من طرف الطاقم الطبي العامل بالمؤسسة السجنية التي يتواجد فيها السجين المذكور، حيث يتم إخضاعه لقياس مؤشراته الحيوية من ضغط دموي ونسبة السكر في الدم ومن تحاليل بيولوجية، بالإضافة إلى نقله إلى المركز الاستشفائي الجامعي إبن رشد بالدار البيضاء حيث تتوفر الإمكانيات والوسائل الطبية الضرورية لتتبع حالته الصحية عن كثب ولمواجهة أي تدهور محتمل لهذه الحالة. وتؤكد التقارير الطبية بناء على عدد من الفحوصات والقياسات والتحاليل التي تمكن الطاقم الطبي من إجراءها على السجين الريسوني بأنه باستثناء انخفاض وزنه من 67 كلغ إلى 48 كلغ فإن المؤشرات الأخرى لا تبتعد عن النسب الاعتيادية الطبيعية. من جهة ثانية أكد بلاغ مندوبية السجون بأن الريسوني يتمتع بكامل حقوقه في زيارة الأهل والأقارب وزيارة محاميه الذي زراه لأزيد من 37 مرة حيث كانت كل زيارة تستغرق بين ساعتين وأربع ساعات ، بالإضافة إلى زيارة يومية لمدير المؤسسة السجنية التي يتواجد بها السجين وزيارة المدير الجهوي للمندوبية العامة لإدارة السجون وكذا زيارة النيابة العامة وزيارة وفد من المجلس الوطني لحقوق الإنسان واللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة الدار البيضاء – سطات والمرصد المغربي للسجون والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ورئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية ورئيس المجلس الوطني الفيدرالي لهذه النقابة ، حيث قامت كل هذه الجهات بحث الريسوني على توقف إضرابه عن الطعام والتعاون مع الطاقم الطبي الذي ينصحه بذلك تفاديا لما يمكن أن يترتب من مضاعفات صحية، وهي المحاولات التي باءت بالفشل حيث لازال الريسوني مصرا على مواصلة الإضراب. لكن المثير في بلاغ المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج هو تشكيكها في صدقية دخول الريسوني في إضراب عن الطعام بالمفهوم المتعارف عليه، حيث يؤكد البلاغ بأن هذا الإضراب مجرد ادعاء مزعوم و” مناورة تكتيكية” الغرض منها دفع القضاء إلى إطلاق سراحه”. وقد بنى البلاغ حكمه هذا على بعض المعطيات في ما يخص تناول السجين لكميات من بعض المواد الغذائية أثناء الإضراب، حيث أشار البلاغ إلى أن الريسومني قد تناول خلال مدة الإضراب 16,75 كلغ من العسل وكيلوغرامان ونصف من الثمور وكمية من الفواكه والياغورت وحساء من الخضر واللحم خلال مناسبتين بالإضافة إلى تناوله جرعات من مقويات “سوبرادين” و “بيروكا” التي وصفها له الأطباء. كما ذكر البلاغ أن الريسوني يتظاهر بعدم قدرته على الوقوف والمشي حيث يستعمل كرسي متحرك أثناء تقديمه لجلسات التحقيق بينما يتحرك بشكل طبيعي داخل السجن حسب ما سجلته كاميرات السجن يقول البلاغ. أمام هذه المواقف المتباينة من قضية اعتقال الريسوني ومن صدقية خوضه للإضراب عن الطعام وأمام المعطيات التي تضمنها بلاغ المندوبية العامة لإدارة السجون، تتناسل الكثير والعديد من الأسئلة التي تروم البحث عن الحقيقة التي تكاد تضيع بين هذا الطرف وذاك. ومن باب الاستئناس فقط أشير إلى أن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج يوجد على رأسها حاليا معتقل سياسي سابق وهو الدكتور صالح التامك، الذي يعرف معنى الإضراب عن الطعام، حيث كان معتقلا ضمن نفس مجموعة المعتقلين السياسيين التي كنت أنتمي إليها والتي كان يطلق عليها “مجموعة مكناس”، أي مجموعة المعتقلين السياسيين الذين تم إيداعهم بالسجن المدني سيدي سعيد بمكناس من سنة 1977 إلى سنة 1980 بعد قضائهم لأزيد من 6 أشهر من الاستنطاق والتعذيب بالمعتقل السري الرهيب درب مولاي الشريف. هذه المجموعة التي خاضت العديد من الإضرابات عن الطعام كان أطولها إضراب دام 21 يوما من أجل المطالبة بتحسين ظروف الاعتقال. ورغم القصر النسبي لهذه المدة فقد إنهارت القوى الجسدية لعدد من المضربين مما استدعى نقلهم على عجل إلى مستشفى محمد الخامس بمكناس حيث كنت من بينهم بسبب مضاعفات على مستوى القلب حسب تقرير الأطباء الذين إفتحصوني. لذلك فإن المندوب السامي للمندوبية العامة لإدارة السجون ليس بالغريب عن هذه السجون ولا عن معنى ومضمون الإضراب عن الطعام، حيث كنا في كل إضراب لا نتناول لا عسلا ولا ثمورا ولا فواكه ولا ياغورت ولا مقويات، بل فقط الماء وبضعة قطع من السكر.
وبناء على ما سبق من توضيحات يمكننا في محاولة لسبر أغوار الحقيقة طرح الأسئلة التالية: – هل يعتبر سليمان الريسوني ضحية لتصفية حسابات سياسية تتمثل في محاولة إسكات صوته كمعارض لسياسات الدولة، أم أنه يحاول التغطية على اقترافه لجرائم تصنف في خانة جرائم الحق العام بإلباس ما قام به من انتهاكات لحقوق الغير بلباس حرية الرأي والتعبير؟ – هل تعتبر مهنة الصحافة حصانة يلجأ إلى الاحتماء بها كل صحافي سقط في مطب أو انتهاك للقانون أو اعتداء على حقوق الغير؟ – هل يعتبر اللجوء إلى الإضراب عن الطعام من طرف أي معتقل داخل السجن مبررا كافيا للي ذراع العدالة وإبطال مفعول أحكامها وحشد الدعم والمساندة للمعتقل المضرب بغض النظر عن الأفعال والتهم والمخالفات المنسوبة إليه؟ – هل من العدالة في سيئ أن يتوقف التحقيق ويتم إبطال سير المساطر القضائية عند دخول أي معتقل في إضراب عن الطعام دون أن يصل هذا التحقيق إلى مداه الطبيعي؟ – وأخيرا هل تعتبر مبادئ “مساواة الجميع أمام القانون “و” عدم الإفلات من العقاب” و”القانون فوق الأشخاص والأهواء” مرتكزات حقيقية لدولة الحق والقانون أم مجرد شعارات توظفها بعض المنابر الإعلامية وبعض دعاة الدفاع عن حرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان من أجل تصفية الحساب مع الدولة والقضاء وتضليل الرأي العام؟
تعليقات
0