الكسكس المغربي.. سفر مثير عبر الأطلسي يحوله لأحد رموز فن الطبخ بالبرازيل

محمد المنتصر الأحد 8 أغسطس 2021 - 12:20 l عدد الزيارات : 140378

خالد التوبة
برازيليا 6 غشت 2021 (ومع) على بعض قوائم الطعام المقترحة داخل مطاعم برازيليا، يثير طبق مرافق خاص فضول الزبائن الأجانب، لاسيما المغاربة منهم، المستقرين بالعاصمة السياسية والديبلوماسية للبرازيل “الكسكز” (الكسكس المغربي). وللاطلاع بشكل أدق على حيثيات حضور الكسكس في هذه الأراضي النائية، المكتشفة منذ 500 سنة فقط، تطلب الأمر الغوص في التاريخ المثير لمناطق أخرى أكثر عراقة من برازيليا، هذه المدينة الحديثة المؤسسة سنة 1960.
وفي الواقع، توجد أصناف لا حصرلها من هذا الطبق الشهير في دولة-قارة تضم أكثر من 212 مليون نسمة، وتتميز بثراء عرقي متفرد، يتغذي من روافد متنوعة: افريقية واوروبية وعربية وآسيوية….
ويعتبر المؤرخون “الكسكز” – باللغة البرتغالية للبرازيل – غذاء يرجع أصله العريق للقبائل البربرية بافريقيا الشمالية، والمغرب خصوصا. وقد عبر أولا البحر الأبيض المتوسط في اتجاه شبه الجزيرة الابيرية ثم البحر الأطلسي قبل أن يحط الرحال بأمريكا اللاتينية حيث تمت إعادة ابتكاره واكتشافه.
وقد تفرعت عن هذا الطبق الذي يعكس تاريخه التعدد الثقافي والتلاقح الحضاري للمغرب، مع مرور الوقت مجموعة من الأصناف في مناطق مختلفة من البرازيل. وأصبح بتوالي العقود والقرون مصدرا محليا للغذاء قبل أن يتحول لرمز للمقاومة ببعض المناطق لاسيما في شمال شرق البلاد، التي تعتبر أفقر منطقة بالبرازيل.
وفي هذا الصدد، أكد الأستاذ ببرنامج الدراسات العليا في الانثربولوجيا بالجامعة الفيدرالية لبارايبا، الذي يدرس المجتمعات والشعوب الأصلية للشمال الشرقي بالبرازيل ايستيفاو باليطو، أن “الكسكس بالبرازيل يشكل إرثا راسخا للحضور المغربي (الموري) بالبرتغال”، فقد ظلت لقرون المنطقة التي تدعى حاليا “اسبانيا والبرتغال” خاضعة للسلط الشمال إفريقية المسلمة المتعاقبة، ما كثف من التبادل والتلاقح الثقافي في الاتجاهين.
وقال السيد باليطول في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء إن الكسكس كان في الواقع طبقا شعبيا في شبه الجزيرة الايبيرية المسلمة “الأندلس”. وهكذا، وعلى الرغم من تحول البرتغال إلى قوة استعمارية في ما بعد، ظلت العديد من التقاليد الشمال-افريقية راسخة بها.
وأوضح الخبير البرازيلي أنه “في العقود الأولى من الغزو البرتغالي للبرازيل، وصل الكسكس إلى هنا على يد البحارة البرتغاليين، وعلى الرغم من أن هذا الطبق كان يعرض صاحبه إلى العقاب بالبرتغال لأنه كان ينظر إليه كتقليد إسلامي، فإن هذا المنع لم يكن ساري المفعول بجزر المحيط الأطلسي (ماديرا والرأس الأخضر) وفي بعض المستعمرات البرازيلية.
واليوم، فإن الكسكس الذي يحتفل به كل سنة في الـ19 مارس خلال اليوم العالمي للـ”كسكز” وذكرى سانت جوزيف، أضحى أحد أهم مكونات الرأسمال اللامادي للمنظقة الشمالية الشرقية. ويتعلق الأمر بطبق “ديموقراطي إلى أبعد حد”، يمكن إعداده واستهلاكه بطرق مختلفة.
وبالنسبة للسيد باليطو، لا يعتبر الكسكس مكونا خاصا، أووصفة جامدة، بل توجد مجموعة من الوصفات الخاصة بهذا الطبق عبر العالم. “البربري، والبوليستا، أو ذلك الخاص بأرخبيل الرأس الأخضر، كل بمميزات ومرافقات محددة. أما في منطقة شمال -شرق البرازيل، حيث تحول “الكسكز” إلى الشكل الأكثر شهرة بالبرازيل، فيتم تحضير هذا الطبق بالطريقة الأكثر سهولة: طهي رقائق الذرة على البخار، ما يعطيها ذلك اللون الأصفر الفاتح المشهور”.
وأضاف الأستاذ ايستيفاو باليطو “أصبح كسكس الشمال الشرقي إذن خليطا من التقاليد الافريقية-الأصلية، يتحول فيه البرتغالي إلى شخص دخيل” مستطردا “تكمن قوة الطبق وشعبيته تحديدا في بساطته ف+الكسكز+ في الأصل هو غذاء للفقراء، أكلة ذات جودة منخفضة، بمثابة مصدر طاقة لمن يريدون البقاء على قيد الحياة، ولا تتطلب إلا قدرا صغيرا، ومنشفة وملعقة”.
ومع توالي السنين، والعقود والقرون، يرى استيفاو أن الكسكس أصبح غذاء كل الأزمنة، ومرادفا للبيت والراحة والعائلة، أو بالأحرى صار”هوية ورمز شعب بأكمله”.
وماذا عن حضور الكسكس المغربي في الموائد البرازيلية ؟
يعتبر الأستاذ الجامعي أن الكسكس المغربي التقليدي قليل الوجود بالبرازيل، إذ ينظر إليه كطبق جديد جاء به الطلبة العائدون من فرنسا أو الدول الاوروبية الأخرى. ويتم طهيه للضيوف بغاية إبهارهم وإثارة اعجابهم، فالسميد الذي يتطلبه تحضير هذه الوجبة الغنية يوجد بمراكز التسوق بثمن مرتفع لأنها مستوردة، وبذلك فهي ليست في متناول الجميع وغير شعبية إذن. أنا معجب بالكسكس المغربي حقا، وأحاول تحضيره من وقت لآخر.
في البرازيل، يمكن تحضير الكسكس بواسطة الدقيق أو نشا الذرة أو الأرز أو نبتة الكاسافا. يتم نقع العجينة المملحة والمبللة قليلا لتمتص التوابل. يتم طهيها بالبخار ويمكن زيادة مكونات أخرى، كما هو معتاد في الجنوب الشرقي، أوتقديمها مع الحليب أوالبيض أوالزبدة أو اللحم المجفف فقط، كما يفضله سكان الشمال الشرقي.
في المنطقة الشمالية، يمكن إضافة السكر للكسكس وتناوله مع حليب جوز الهند، غالبا خلال وجبة الفطور مصحوبا ب”الطابيوكا”، وهي وجبة شائعة في جميع أنحاء البرازيل. وفي الشمال الشرقي، يتم تناول الكسكس عادة خلال الوجبات اليومية الرئيسية الثلاث.
من جهة أخرى، قالت الأستاذة الجامعية ماريا إيزابيل دانتاس إنها تشاطر السيد باليلطو الرأي، حيث ترى عالمة الاجتماع بجامعة “ريو غراندي دو نورتي” التي تدرس القيمة الرمزية للطعام بين مختلف مجموعات الهوية في الشمال الشرقي، أن الكسكس قد استهلك لفترة طويلة من قبل أولئك الذين لم يستطيعو الحصول على منتجات مثل الأرز أو اللحم، لكن هذا ما يزيده أهمية باعتباره جزء لا يتجزأ من حياة الناس.
وقالت السيدة دانتاس في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء “إنه يرمز لارتباطنا بالأرض، إنه يحمل قصة ذات دلالة عميقة لدى الناس ويربط علاقة وثيقة معهم”، مضيفة أنه في مرحلة ما قبل الصناعة، عندما لم تكن تباع رقائق الذرة أو حتى الكسكس في الأسواق المركزية، كان كل العمل يتم بطريقة يدوية. يتم حصاد الذرة وطحنها في المدقة ثم غربلتها.
واستطردت “يتم طهي الكسكس، إثر ذلك على البخار ، لقد كان الأمر متعبا من جهة، بسبب عدد العائلات الكبير، وبسيطا في الوقت نفسه بسبب غياب أية أسرار في عملية الطهي، أو تقنيات متطورة تتطلبها هذه العملية”.
واعتبرت أن طبق الكسكس ” يغذي ذكريات الأشخاص، من جيل إلى جيل، لتتجسد النكهة بالتحديد في هذه الذاكرة”، مشيرة إلى أنه كانت هناك محاولة لبناء “شمال شرقي مثالي” في المخيلة الشعبية، رمزه الرئيسي هو (لحم الشمس)، وهو شكل من أشكال اللحوم المجففة في المطبخ البرازيلي.
لكن الحقيقة حسب المتحدثة، هي أن كل شخص في المنطقة، لا سيما في منطقة سيرتاو -وهي منطقة شبه قاحلة- لا يمتلك المال الكافي لشراء منتوج في مستوى هذه الرفاهية، معلقة: “لا يعرف كل المواطنون طعم لحم الشمس، لكنهم يعرفون جميعهم مذاق الكسكس، فهو وجبة تكاد تكون حاضرة على جميع الموائد”.
أما إذا أخد شكل وجبة مرافقة، فيتم خلط الكسكس مع المكونات المتوفرة، مثل اللحوم وجوز الهند، والحليب والبيض وأسماك المياه العذبة، والسكر البني وأحشاء الخنزير أو العجل… “ولهذا السبب، يأتي الكسكس في العديد من الأصناف في الأونة الأخيرة. هناك من يتناوله مالحا، أو حلوا، وجافا أو مبللا في الحليب، مع السكر البني وحتى العسل، والنقانق، والجبن، والبيض…”
وأضافت “إن تلك المعاناة هي التي تعطي الكسكس معنى جديدا، إنها تمنحه ذاكرة عاطفية قوية، وإذا ما انتزعت هذا العنصر من قائمتك بالمنطقة الشمالية الشرقية للبرازيل، تكون حينها قد انتزعت منه كل شيئ، فالأمر يتعلق بتراث وهوية”.
وفي هذا الصدد، قالت كوينسيساو المنحدرة من ولاية بارايبا والقاطنة في برازيليا للعمل: لم يبقى “الكسكز” طعاما حصريا في متناول الساكنة الشمالية الشرقية، ولا طبقا للفقراء، فهو اليوم طبق وطني يتم طهيه في جميع البيوت البرازيلية تقريبا، في قدر من الكسكس باسم “كسكوزيرا” ، أو “كسكاس” كما يطلق عليه في المغرب.
“وأضافت “نحب جدا، تناوله في الفطور والغداء كما في العشاء، فالكسكس يرافقنا منذ ولادتنا، لقد نشأ أطفالي مع الكسكس، إنه طعام جميع الأجيال يتم توارثه كشاهد على الزمن”..
وعلى عكس عادة المغاربة مثلا، يتم تناول الكسكس في البرازيل بشكل شبه يومي، خلال الفطور، والغداء والعشاء حسب كوينسيساو، التي أكدت أن هذا الطبق يستمد أهميته وشعبيته من بساطة وتوفر مكوناته، وكذا سهولة تحضيره.
وأشارت هذه السيدة الخمسينية إلى أنه “طعام غير مكلف ومتعدد الاستخدامات، حيث يتمتع الكسكس بجميع مميزات المطبخ المنزلي: الراحة والدفء في المنزل، والوجبات العائلية، لافتة إلى أنها تحتفظ بذكريات ثمينة جدا لطفولتها خلال التجمعات العائلية حول طبق “الكسكس”.
من جهة أخرى، سجل السيد باليطو أنه باستثناء المنطقة الشمالية الشرقية، يتلائم الكسكس مع الجوانب السوسيولوجية والمحددات الزمنية الخاصة بهذه الوجبة في المغرب. فإلى جانب طريقة التحضير، لا سيما بساو باولو، يعتبر الكسكس طبقا احتفاليا، يتم إعداده لتجمعات العائلة والأصدقاء.
وفي الرأس الأخضر، البلد الأطلسي الواقع بين إفريقيا والبرازيل وأوروبا، يتم تهيئ كسكس الذرة للاحتفال بذكرى”أربعاء الرماد”، الذي يختتم الكرنفال ويفتتح الفترة الدينية للصوم الكاثوليكي الكبير.
وبعدما تم إدراجه في متم السنة الماضية على قائمة التراث العالمي غير المادي، أضحى الكسكس رمزا لتلاقح الثقافات والحضارات. ويعتبر الأكاديمي البرازيلي في هذا السياق، أن الأمر هو بمثابة اعتراف بالقيمة التاريخية والحضارية لهذا الطبق، مشيرا إلى أن إدراج أنواع أخرى من الكسكس المغربي، لا سيما البرازيلي، وذلك الخاص بالرأس الأخضر والبرتغال، من شأنه إثراء البعد الكوني لطبق فريد ومهم لمختلف الحضارات”.
ويعد تقاسم الكسكس في الثقافات البرازيلية والمغاربية عنصرا يقرب بين الضفتين ويسلط الضوء على الموروث الثقافي القوي الذي عبر المحيطات وصمد طيلة قرون، متحديا كل القيود الايديولوجية والدينية، وموحدا الشعوب حول “طبق”.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:45

منظمة الصحة العالمية: تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة جراء موجة الحر في أوروبا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:24

كندا تبلغ ثمن النهائي بهدف قاتل وتنتظر الفائز من قمة المغرب وهولندا

الأحد 28 يونيو 2026 - 22:00

موجز أنباء العالم خلال 24 ساعة الأخيرة إلى غاية العاشرة مساء من يوم الأحد 28 يونيو 2026

الأحد 28 يونيو 2026 - 21:30

الاتحاد الاشتراكي يدعو إلى تقوية البحث العلمي والارتقاء بمنظومة التعليم العالي

corner image