افتحوا الحمَّامَّات: دخول الحمام الشعبي ليس كالخروج منه ولا من طقوسه المتوارثة
أحمد بيضي
الجمعة 24 سبتمبر 2021 - 13:34 l عدد الزيارات : 25889
أحمد بيضي
“قرار الاغلاق الشامل للحمامات” ما يزال قائما بجل المدن المغربية، كما ما يزال، منذ أشهر طويلة، حديث مواقع التواصل الاجتماعي، فيما أكدت التعليقات عليه أن عموم المتتبعين للشأن العام المحلي يسجلون قلقهم المتزايد حيال حكاية الإغلاق، بالنظر لمدى ارتباط المغاربة بالحمَّامات كطقس من الطقوس المتوارثة، علاوة، بطبيعة الحال، على تذمر أصحاب هذه الحمامات من شبح الاغلاق الذي عرضهم للكثير من الأضرار والأزمات، فيما لا يزال الغموض سيد السؤال بخصوص “مدى زمن الإغلاق”، وما رافق ذلك من صمت المسؤولين وتأويلات الملاحظين، إذا لم يكن في الأمر شكلا من “اختبار قوة القرارات” كما يقال.
“وطلق السخون”، كان هو العنوان الرئيسي للأصوات التي ارتفعت، على مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل حمل السلطات المغربية على الترخيص للحمامات الشعبية بالعودة إلى الاشتغال، نظرا لِحاجة المواطنين لخدماتها، ولِما بلغته وضعية القطاع من أزمة خانقة، وما أضحت تتخبط فيه فئة كبيرة من المشتغلين به من بطالة وتشرد، وقد فات لرئيس الجامعة الوطنية لجمعيات أرباب ومستغلي القطاع أن أكد في تصريحات إعلامية أن القطاع يوفر أزيد من 24 ألف منصب شغل مباشر، فيما سبق للوكالة الوطنية للنجاعة الطاقية أن أفادت، في تقرير حول استهلاك الحطب والمشاكل الايكولوجية، أن عدد الحمامات التقليدية بالمغرب يصل لحوالي 12 ألف حمام.
وتنتشر الحمامات التقليدية، أو ما يسمى في الأوساط الشعبية ب “حمامات الزنقة”، في جل الأحياء، ويلجأ إليها الرجال والأطفال والنساء، للاستحمام والاسترخاء والتخفيف من التعب، كما للطهارة بمفهومها الديني، وهناك من يتخذها نقطة أساسية في برنامجه الأسبوعي، فيما تعتبرها النساء مكانا للترويح عن النفس، وللتجميل وإزالة الأوساخ بالشكل الذي لن يحققها “حمام الدار”، وللنساء هنا علاقة قوية بالحمام الشعبي، والمؤكد أن عملية اعتقال 13 امرأة، بعد خروجهن من حمام شعبي بوجدة، بتهمة خرق إجراءات حالة الطوارئ الصحية، لدليل على هذه العلاقة المرتبطة بالعادات والتقاليد التي لن يذيبها أي طارئ.
وعلاقة بالموضوع، قال أحد الأزواج إنه يخجل من الاغتسال ب”حمام الدار” أكثر من مرة في الأسبوع، فيما أعرب آخر عن اشمئزازه حيال قرارات إغلاق الحمامات في ظروف المناخ البارد، ما كان بديهيا أن تعرف عائلته إصابات بالزكام والحمى لاستحمامها بالمنزل، بينما رأت إحداهن أن “حمام الزنقة” هو الوسيلة الوحيدة التي تمكنها من تأخر ظهور التجاعيد وعلامات الشيخوخة، وكل ما تتمناه من الحكومة هو السماح بعودة الحمام للاشتغال، دون أن يفوت إحدى المسنات التعبير عن سؤالها البريء: كيف ينصحوننا بغسل اليدين بالصابون لمواجهة كورونا ويمنعوننا من غسل الجسد؟، ورأى آخر أن الحمام هو مكان لأحدث “التبرگيگات” المحلية.
إنه ملاذ استثنائي يدخله المرء/ المرأة بعد اقتناء العدة التي لن تخلو طبعا من “الصابون البلدي” و”الغاسول” و”الكيس” و”الحكاكة” وغيرها من الأشياء التي باتت طقسا من الطقوس التقليدية، وهو المكان الذي ما يزال محافظا على مكانته الخاصة وموروثه الاجتماعي والثقافي الشعبي، من خلال عدة أمثال قديمة لا تقل عن مثل “للاّ زينة وزادها نور الحمام” والمثل “دخول الحمام ماشي بحال خروجه”، وغيرها من الأمثال التي تفسر مدى حضور الحمام في المخيال الشعبي، ومدى تمكن وظيفته في إجبار الحمامات العصرية على الإيمان بالحمامات التقليدية، والتعايش معها، بالنظر لصمود هذه الأخيرة في وجه الاندثار أمام زحف المنافسة الحديثة والتركية.
وجل الحمامات التقليدية المغربية تتكون من ثلاث أو أربع غرف متداخلة يعمها البخار الحاجب للإضاءة، وكل واحدة منها تؤدي إلى أخرى أكثر حرارة، إلى حين الوصول إلى القاعة الأخيرة التي يتواجد بها حوض الماء الساخن المسمى شعبيا ب “البَرمة”، وهناك حمامات أخرى تتوفر في كل غرفة على صنابير باردة وساخنة، وفي قلب هذه الغرف تصادف “الكسَّال” الذي يكسب رزقه القليل من أوساخ الآخرين، شأنه شأن المسميات ب “الطيَّابَات”، ثم “الگلاَّسات” المكلفات بالسهر على شؤون المستحمات، إضافة إلى الفئة الكادحة التي أرغمها البؤس على حياة “جحيم الدنيا”، ويعنى بهم “الفرناتشية” المكلفين بتسخين الحمامات ببيت النار “الفرناتشي”.
وبينما ما يزال الحمام التقليدي مستوطنا في الذاكرة والوعي الجمعي، ظل بعض الناس يروجون لما يدعي أن الحمامات يسكنها الجن والأرواح الشريرة، والكثيرون يعتقدون، أو يتأثرون بالفكر الخرافي وبالفهم الخاطئ للدين، أن تواجد الانسان بمفرده وسط الحمّام سيكون فريسة للجن، حتى أن بعض ضحايا المعتقدات الشعبية يتوجسون من دخول الحمام ليلا أو فجرا أو في الظلام، ويلتزمون بالتحصّن عند الدخول، وهم يرتجفون من شدة الخوف من المجهول، كما أنهم يتفادون أو ينصحون بعدم الصراخ في الحمام أو صب الماء الساخن في بالوعاته، تجنبا لما قد يطالهم من أذى أو مس، ورغم كل ذلك ما يزال المطلب المنتصر والقائم هو : “افتحوا الحمامات..اطلقوا السخون يا حكومة”..
تعليقات
0