العربي الصبان.. تجربة إعلامية ناجحة ومسار متفرد بين الكتابة والرسم

rawi الخميس 22 فبراير 2024 - 12:53 l عدد الزيارات : 49039

عبد الرحيم الراوي

عندما تشنف مسامعنا باسم العربي الصبان، تحذونا رغبة ملحة في السفر عبر الزمن الجميل للنبش في أغوار تجربة طويلة ومليئة بالعطاء في مجال فن الكاريكاتير، رحلة تجعلنا نكتشف، اسما شكل على مدى عقود، قامة فنية وأدبية أبدعت في ملامسة الظروف الاجتماعية للمواطن المغربي، وتمكنت من اختزال معاناته في خطوط تجسد الواقع الاجتماعي والاقتصادي بطريقة ساخرة تحمل رسائل مشفرة للمتظلمين، كي تنصف ذوي الحقوق من المواطنين.

فلا يسلم من سخريته لا سياسي وصولي، ولا نقابي انتهازي، ولا رجل دين متطرف ولا إداري فاسد، ولا رجل سلطة مستبد ولا مشغل جشع..كل هؤلاء يجدون أنفسهم، تحت رحمة ريشته التي تشبه نصل السيف، لا تعرف المجاملة ولا تخاف لومة لائم في زمن عرف في التاريخ الحديث بسنوات الرصاص.

العربي الصبان الرجل الذي نحث اسمه بأحرف من ذهب في مسار مهني متفرد، يجمع بين الرسم والكتابة بأسلوب سلس وبلغة راقية، حيث كانت تخصص له جريدة العلم ركنا يحمل عنوان “التنكيت في زمن التبكيت”، يتطرق فيه سي العربي، إلى العديد من المواضيع الاجتماعية والسياسية، بأسلوب يبدع فيه باللعب على الكلمات وكأنه يرسم لوحة كاريكاتورية، فلو لم يكن سي العربي فنانا، لما كان كاتبا ناجحا، حسب الإعلامي والكاريكاتيري الناجي بالناجي.

كان سي العربي يمنح نفسه هامشا من الحرية على صفحات جريدتي “العلم” و”لوبينيون”فيشرع في ملئ صفحاتها البيضاء برسومات يختارها شخصيا، متحملا مسؤوليته بكل شجاعة دون الأخذ بعين الاعتبار ما يمكن أن يترتب عن ذلك من مشاكل، لكن الأهم بالنسبة له هو إبداء رأيه من زاوية تنسجم مع أفكاره وفلسفته في إطاراحترام كل القيم الإنسانية النبيلة، فيوظف سخريته اللاذعة، كأسلوب نضالي وحضاري للدفاع عن حرية التعبير وحقوق الإنسان، بغض النظر عن الانتماء العرقي أو الديني أو الثقافي..

ورغم أن الساحة الإعلامية منذ بداية السبعينات إلى غاية التسعينات، كانت تزخر بأسماء إعلامية اشتهرت بإبداعها في رسم الكاريكاتير، كالفنان الراحل محمد عليوات المعروف ب”حمودة” ومحمد الفيلالي وحميد البوهالي وابراهيم لمهادي وآخرين.. الذين شكلوا في زمنهم، تجربة رائدة في تاريخ الكاريكاتير الإعلامي بالمغرب، إلا أن سي العربي الصبان، حافظ، على أسلوبه الخاص برسوماته، حتى أصبحت لديها هوية تعرف باسم صاحبها عند القاصي والداني، بل أكثر من ذلك، يعتبره بعض النقاد مدرسة قدمت خدمات جليلة في فن الكاريكاتير، والتي بفضلها تخرج العديد من الرسامين الشباب المغاربة.

ونحن بصدد تجربة مهمة في فن الكاريكاتير الإعلامي، لا بد من طرح سؤال مفاده: لماذا لم نعد نر الكاريكاتير في الصحافة الوطنية باستثناء بعض الجرائد القليلة،علما أن الرواد أمثال سي العربي الصبان ورفاقه، أعطوا نموذجا ناجحا وشكل انخراطهم في العمل الصحفي إضافة نوعية مازال العديد من القراء يتذكرها إلى يومنا هذا.

هناك من يربط هذا الغياب القسري في الجرائد الوطنية بالتحولات السياسية، وهذا طرح خاطئ في نظري، ذلك أن الكاريكاتير لا علاقة له لا بالتحولات السياسية ولا بمفهوم الزمنnotion du temps

إن فن الكاريكاتير كان على الدوام شاهدا على الأحداث المحيطة بالإنسان في كل مكان وزمان.. يرسم تفاصيل حياتنا بسخرية، بعد أن يكشف عن تجاوزاتنا وعن سلوكاتنا المشينة، فهو المرآة التي تعكس صورتنا الحقيقية بعيدا عن التنميق والتزويق، لهذا كان الكاريكاتيرعبر الأزمنة جنسا مرتبطا بالعمل الصحفي يهتم بالخبر ويعلق عليه بطريقة فنية تمتزج فيها الحسرة والضحك.. L’humour noir.

أعود لأطرح سؤالا آخرا، هل اسم العربي الصبان كان سيعرف لولا الإعلام؟ هل كانت موهبته ستكون مؤثرة في الوسط الشعبي لولا فرصة العمل في الصحافة؟

لابد أن أقر أمام الحضور الكريم، باندهاشي أمام وجود طاقات شابة موهوبة، صادفتها بالمهرجان الدولي للكاريكاتور بإفريقيا المقام أواسط دجنبر 2023 بأكادير، والذي يرأسه الفنان والصحفي سي الناجي بناجي، حيث لمست بكل إعجاب أعمالهم وإبداعاتهم، لكن للأسف لم يجدوا طريقهم نحو الشهرة، فقط لأن رسوماتهم لاتنشر على صفحات الجرائد الوطنية، ومن تم نخلص جازمين بأن الإعلام هو الأداة الفعالة والقادرة على إبراز أو إقبار المواهب.

تحسرت كثيرا لهؤلاء الشباب وقلت في قرارة نفسي كم من العربي الصبان يضيع في هذا الوطن.

ولو أن الكاريكاتير يستدعي المبالغة التي تفرضها الضرورة الفنية، إلا أن الفنان الصبان، غالبا ما يفلح في ترجمة كل التجليات والأوصاف والتفاصيل الدقيقة التي تلتقطها عينه في محيطه اليومي، إلى رسومات موشومة بشخصية “المهماز” تجعل المتلقي يقرأ الصورة بوضوح ويدرك الرسالة التي تحملها دون أدنى عناء، وهو القاسم المشترك الذي يجمع بينه وبين الكاريكاتيري حمودة، أما الاختلاف فيكمن في أسلوب العمل التقني، حيث أن رسومات حمودة، غالبا ما تكون بخطوط رقيقة تجسد أشخاصا بقامة طويلة، عكس رسومات العربي الصبان التي تكون بخطوط سميكة وشخوص قصيرة.

العربي الصبان يحلق كالنسر عاليا ليرى ما لا نراه نحن، قد يبدو انطوائيا ومنعزلا لأن الرجل قليل الكلام، ولكن ما إن تقترب منه، حتى تكتشف شخصا مثقفا، مرحا، مسالما، ظلا وارفا من المحبة والصدق تجاه الأخرين، موسوعة معرفية مهمة.. يفاجئك في نقاشاته وإلمامه العميق وتحليله الدقيق، سواء تعلق الأمر بموضوع علمي أو أدبي أو فني أو فلسفي أو ديني، وهذه من بين الميزات للعربي الصبان، والتي تشكل مصدر نجاحه، كرجل فنان بخلفية ثقافية وسياسية.

وكما قال رفيق دربه الصحفي المقتدر بوشعيب الضبار “إن أبرز المحطات في طريق الصبان كثيرة ومتشعبة، واختصارها ظلم له كصاحب تجربة طويلة”، لكن رغم ذلك نذكر ببعض المحطات الرئيسية في مساره الفني والمهني.

فكانت للعربي الصبان إسهامات إلى جانب الفنانين محمد الفيلالي وحميد البوهالي في تأسيس أشهر جريدة كاريكاتير مغربية بعنوان «أخبار السوق» في أبريل سنة 1978، وقبلها صحيفة للرسوم الساخرة بالفرنسية، اسمها “ساتيريكس”.

وخلال 1980 شارك في تأسيس رابطة رسامي الكاريكاتير العرب في دمشق برئاسة الشهيد ناجي العلي، إلى جانب كبار الرسامين المشهورين أمثال جورج البهجوري وأسماء أخرى.

مساهمته في المهرجان المغاربي للأشرطة المرسومة والكاريكاتير في مدينة وهران بالجزائر سنة 1990.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image