كشفت الأبحاث الأثرية الحديثة عن واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ التجارة البحرية بين المغرب وأوروبا، فقد أعلن باحثون بريطانيون، بعد نحو ثلاثين سنة من التحقيقات والدراسات، التوصل إلى الهوية الحقيقية لسفينة هولندية غرقت سنة 1633م وهي تحمل واحدة من أثمن الشحنات القادمة من المغرب خلال العهد السعدي (1509- 1659م) الذي اعتمد على الدينار الذهبي الذي يعد من أبرز العملات الذهبية الخالدة في تاريخ المغرب.
وأكدت نتائج الدراسة، التي شارك فيها باحثون من جامعة بورنموث والمتحف البريطاني ومجموعة الآثار البحرية بجنوب غرب إنجلترا، أن الحطام يعود للسفينة التجارية “دوم فان كولن”، التي كانت في طريقها من السواحل المغربية نحو هولندا عندما باغتتها عاصفة عنيفة قبالة الساحل الإنجليزي، لتنتهي رحلتها في قاع البحر بعدما كانت محملة بثروة استثنائية.
ويكتسي هذا الاكتشاف أهمية تاريخية كبيرة، إذ أظهرت الوثائق أن السفينة كانت تنقل نحو تسعة آلاف دينار ذهبي مغربي، إلى جانب شحنة متنوعة ضمت 150 كيسا من الصمغ العربي، و64 كيسا من الملح الصخري، و320 جلد ماعز، فضلا عن مجوهرات وفخاريات وأدوات بحرية ثمينة، ما يعكس ازدهار المبادلات التجارية التي ربطت المغرب بالأسواق الأوروبية خلال القرن السابع عشر.
وتعود بداية فك خيوط هذا اللغز إلى سنة 1995، عندما عثر غواصون على أكثر من 400 قطعة ذهبية مغربية داخل الحطام على عمق يقارب 18 مترا بالقرب من مدينة “سالكومب” على الساحل الانجليزي، غير أن الدراسات اللاحقة والبحث في الأرشيف التاريخي أثبتا أن ما تم العثور عليه لا يمثل سوى جزء يسير من الحمولة الأصلية التي كانت تحملها السفينة قبل غرقها.
ويرى علماء الآثار أن هذه الكنوز تقدم دليلا ماديا نادرا على المكانة الاقتصادية التي كان يحتلها الذهب المغربي في تلك الحقبة، كما تكشف حجم الثقة التي كانت تحظى بها العملة المغربية لدى التجار الأوروبيين، وخاصة الهولنديين، الذين اعتمدوا عليها في جزء مهم من معاملاتهم التجارية مع المغرب، ورغم أن جميع أفراد طاقم السفينة تمكنوا من النجاة من الحادث، فإن حمولتها ظلت مدفونة في قاع البحر لما يقارب أربعة قرون.
ولتأمين هذا الموقع الأثري الفريد، فرضت السلطات البريطانية إجراءات حماية مشددة، شملت حظر الغوص في المنطقة دون ترخيص رسمي، إلى جانب دوريات بحرية منتظمة ضمن عملية “بيردي” للتصدي لأي محاولات لنهب الحطام، ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف لا يقتصر على تحديد هوية سفينة مفقودة، بل يبرز الدور المحوري الذي لعبه المغرب في حركة الذهب والتبادل التجاري مع أوروبا.







تعليقات
0