الزخنيني: مشروع قانون المسطرة المدنية جاء مؤطرا بفرضية التقاضي بسوء نية وقوض دور هيئة الدفاع
anwar
الثلاثاء 23 يوليو 2024 - 13:37 l عدد الزيارات : 41241
ناقشت النائبة البرلمانية مليكة الزخنيني باسم الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، مشروع القانون 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية.
وأوضحت النائبة الاتحادية في مداخلتها باسم الفريق الاشتراكي، خلال جلسة عمومية تشريعية الثلاثاء 23 يوليوز 2024، أن مراجعة قانون المسطرة المدنية يعتبر من أهم المطالب المجتمعية وبوصفها حاجة ملحة بالنظر لحجم المستجدات التي عرفتها الحياة العامة في مجتمعنا، وحجم القضايا المستجدة، وقصور التعاطي الإجرائي الحالي معها.
وأضافت النائبة البرلمانية، أن الفريق الاشتراكي كان دائما يطالب بمراجعة الترسانة القانونية الوطنية سواء في شقها الإجرائي أو الموضوعي ، وكان المطلب في هذه المراجعة هو حفظ الحقوق، وإرساء العدالة، والتكيف مع مقتضيات دستور البلاد الجديد، والتزام بلادنا باحترام منظومة حقوق الإنسان والنهوض بها، والإجتهاد للإجابة على الاختلالات التي يعرفها مجال العدالة كما رصدها تقرير النموذج التنموي الجديد التي شخصها بوجـود “فجـوة بيـن بعـض القوانيـن ذات “المناطـق الرماديـة” والواقـع الاجتماعـي؛ وكونها عدالـة تعانـي مـن ضعـف ثقـة المواطنيـن ومـن جهـاز بيروقراطـي وسـبل انتصـاف غيـر فعالـة”، ناهيك عن ملاءمة أحكام قانون المسطرة المدنية مع مجموعة من النصوص القانونية التي دخل العمل بها حيز التنفيذ، والتي تعتبر من النصوص المهيكلة لمنظومة العدالة ببلادنا، خاصة القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، و القانون التنظيمي رقم106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة ، والقانون 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، والقانون 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، والقانون 37.22 المنظم للمعهد العالي للقضاء.
وأكدت النائبة الاتحادية، أن الفريق الاشتراكي انخرط في مناقشة مضامين هذا المشروع بكل مسؤولية، وعبر عن مواقفه المبدأية من العديد من القضايا التي جاءت فيه انسجاما مع “مرجعيتنا الاشتراكية الديمقراطية، ومسارنا في الدفاع عن الحقوق والحريات، وتشبثنا بالحفاظ على المكتسبات، التي من أجلها بذلت تضحيات جسام، ومناهضة لكل تراجع عنها. و في هذا الباب، تقدمنا بتعديلات مهمة ترجمنا فيها توجهنا هذا بلغت 593 تعديلا.”
وشددت المتحدثة، على الحرص على أن الحق في التقاضي، كحق يضمنه الدستور في مادته 118 لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون، والذي لا يجوز بحال تقويضه بترهيب الغرامات ولا بتسقيف الولوج إليه، وأن حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع محاكم المملكة، وكل اختلال في التوازن بين أدوار هيئة الدفاع وموقعها في منظومة العدالة، وحقوق مرتفقي العدالة، من شأنه أن ينأى بمشروع القانون هذا عن ما نتطلع إليه.
وأكدت النائبة الزخنيني، أن المشروع قد أسس لمفهوم جديد هو قرينة سوء النية فالمتقاضي سيء النية حتى يثبت العكس، بما يشكل نسفا لروح قرينة البراءة التي كرسهتها المادة 119، والمادة 23 من الدستور لصالح المتهم، فبالأحرى المتقاضي، وأن الحق في المحاكمة العادلة وحكم يصدر في آجال معقولة كما تنص على ذلك الفصل 120 من الدستور، يستدعي إجراءات مواكبة بتوفير الخدمة القضائية إن على مستوى البنية التحتية أو الموارد البشرية، وليس تقويض الحق في التقاضي الذي كان عنوان المشروع.
وأوضحت المتحدثة، أن تحقيق الأمن القضائي، لا يمكن تصوره إلا بتحقق أحد أركانه وهو اعتبار “الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع”، والذي بالمناسبة، ننوه في هذا الباب بحذف المادة 17 من المشروع والتي نبهنا لخطورتها في المساس بالأمن القضائي وبحجية الأحكام النهائية، واستقرار المعاملات، وأن المساواة أمام لقانون، أهم دعائم الاطمئنان إلى العدالة، فلا يستقيم التمييز بين المتقاضين، والقول بالإصلاح، وما تضمنه هذا المشروع من تمييز صريح أو ضمني بين المتقاضين يسائل البعد الحقوقي فيه.
وسجلت النائبة البرلمانية، أن انتصارنا لهذه المبادئ والقواعد الدستورية، في مناقشتنا لمشروع قانون المسطرة المدنية، كان سند اعتراضنا، على عدد من المقتضيات التي جاء بها هذا المشروع، والذي اعتبرنا أنه قوض حق التقاضي العادل للمواطنين كما قوض مركز المحامين ضمن مجال العدالة وأثر على دور الدفاع، وهو ما من شأنه التأثير على توفير شروط المحاكمة العادلة، وتحقيق النجاعة القضائية.
وأوضحت، أن مشروع القانون هذا، جاء مؤطرا بفرضية التقاضي بسوء نية، بل ومهووسا بها، حيث أصبح المتقاضي متهما منذ طرقه باب العدالة للانتصاف كما تنص عل ذلك أبجديات دولة الحق والقانون، واعتبر عمل هيئة الدفاع في استثمار الإمكانات المسطرية والموضوعية لصالح المتقاضي في البحث عن إثبات حقوق مفترضة ضربا من ضروب ما تسميه الحكومة “تمطيطا للزمن وتأخيرا للأحكام واغتيالا للحق إما واقعيا أو نفسيا”.
وجاءت في مداخلة النائبة البرلمانية بحضور وزير العدل، “نتفق معكم السيد الوزير في كون المحاكم تئن تحت وطأة كثرة الملفات، ونتفق معكم أن “ما كل مدعي حق هو فعليا صاحب حق”، ونتفق معكم في أن الواقع يعج بحالات ضاعت فيها حقوق بسبب قصور القواعد المسطرية، أو بسبب كفاءة البعض في استثمارها على نحو يضيع الحقوق، لكن بالمقابل، لا بد لكم أن تعترفوا أن مقاربتكم لهذه المشاكل في مشروع القانون هذا لم تكن موفقة، حيث اعتمدتم الحلول السهلة، كما عودتنا هذه الحكومة”.
وأشارت إلى أن الحكومة ألقت كل العبء على المتقاضي باعتبارها الحلقة الأضعف في هذه المنظومة، ونسفت مبدأ حسن النية الذي يعتبر اللبنة الأساس للبناء القانوني برمته، وفتحت باب “كل ما من شأنه”، على مصراعيه بعبارات فضفاضة غير قابلة للتحديد ولا القياس كما أصررت على الإبقاء عليها في المادة العاشرة مثلا “ما لا يعرقل سير العدالة”، وما يترتب عليها من تغريمات.
وسجلت النائبة البرلمانية، أن مشروع القانون قوض دور هيئة الدفاع، وهاهي الحكومة اليوم تعيد إخراجها إلى الشارع مرة أخرى كما دأبت على ذلك، بل إن أكبر نجاح حققته، هو نجاحها في دفع كل الفئات للاحتجاج، حيث هربت مناقشة اختلالات المهنة ومشاكلها إلى قانون المسطرة المدنية.
وأضافت قائلة: “اعتمدتم فزاعة الغرامات التي تخترق القانون من ألفه إلى يائه حتى أصبح هذا المشروع قانونا للتغريم بامتياز، ودعوة مبطنة لطالب الحق للإحجام الذاتي عن الولوج للعدالة، وهنا نسألكم، إذا لم يجد الباحث عن حقه ملاذا في عدالة بلده، فما عساه يفعل في نظركم؟” “عمدتم إلى التركيز على السرعة على حساب الجودة، وكان سندكم تفعيل الحق في الحصول على حكم في أجل معقول، لكنكم تناسيتم أن معقولية الآجال مرتبطة بمصلحة المتقاضي، وليست مبدأ مبهما يجب الوصول إليه بأي ثمن وإن على حساب مصلحة المتقاضين، وشروط المحاكمة العادلة ومبدأ التواجهية.”
وأوضحت النائبة الاتحادية، أنه تم تقويض حماية الحقوق باعتماد اختصاص قيمي خلاصته تفييء يضرب في العمق كل مجهودات الحد من السطو على الحقوق، ويكرس طبقية الدفاع عنها، ويجهز على الحق في التقاضي على درجتين، بل يسائل مبدأ المساواة أمام القانون، وبالإبقاء على دور المدعي والوكيل في المساطر الكتابية، في حين كان من الواجب تثبيت دور الدفاع وهيئة الدفاع كمسؤول عن المقالات والمذكرات المقدمة، سواء كان المحامي مختارا من المتقاضي أو معينا في إطار المساعدة القضائية، كان من الواجب قصر تدخل المدعي والوكيل على المساطر الشفوية، وكان من الواجب نقل معالجة كل الادعاءات التي بنيتم عليها موقفكم لإصلاح قانون المهنة بما يوازن بين حقوق المحامي وواجباته، ومسؤوليته في إصلاح منظومة التقاضي وتخليقها،
وتابعت الزخنيني، “بقدر ما اعتبرنا مشروع قانون المسطرة المدنية وإحالته إلى البرلمان مجهودا يستحق التنويه به، بقدر ما نتأسف للنفس الذي طغى عليه، والخلفية التي أطرته، والتي تعكس فلسفة هذه الحكومة في “تبضيع” كل شيء، وفي تهريب النقاشات عن فضاءاتها الحقيقية. فالتقاضي بسوء نية يعالج في إطار منظومة القانون الجنائي بتصور جديد وواضح، يرتب المسؤوليات حول الاستثمار القذر الدائر اليوم في قطاع العدالة، المبني على الزواج الشاذ بين المال والسلطة، وتغولهما على مرفق العدالة، والتقاضي بسوء نية يعالج في إطار مخرجاته، المتمثلة أساسا في الاغتناء غير المبرر والذي يحتم مجددا فتح النقاش حول تأطير الإثراء غير المشروع ومحاصرته في الدنيا وليس في الآخرة، والتقاضي بسوء النية يقتضي النظر في أخلاقيات مهنة المحاماة، باعتبار المحامي هو الساهر على إعمال المساطر، والضامن لوجهة إعمالها، ومنطق ربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي جعل المحامي المعني الأول والأخير بمباشرة المساطر الكتابية، وبتأطير المساعدة القضائية خدمة لكل الأطراف.
وأوضحت أن الاكتظاظ في المحاكم، لا يحل بتقويض الحق في التقاضي، لكن بتوفير شروط التقاضي الفعال والناجع، من بنية تحتية وموارد بشرية وتعزيز تحول المحكمة الرقمية، ومن إعمال للوسائل البديلة لفض المنازعات، بما تتطلبه أيضا من بنية استقبال وموارد بشرية.
وسجلت النائبة الاتحادية، أن بلادنا قد توفرت على المسطرة المدنية منذ أزيد من قرن من الزمن، وعدلتها منذ أزيد من خمسين سنة، ونحن اليوم بصدد مناقشتها في البرلمان بعد مخاض عسير، وقد يستمر هذا القانون خمسين سنة أخرى حتى يأتي للبرلمان لمراجعته.
وخلصت إلى “أننا لا نشرع لسنوات بل لعقود، ولا نشرع لليوم بل نشرع للمستقبل، ولا نشرع لحالات خاصة، بل لعموم المغاربة، نشرع للوطن ولعموم الوضعيات. لذلك فنحن أمام مسؤولية تاريخية تقتضي الإنصات بكثير من سعة الصدر ومرونة الفعل وسعة الأفق أيضا لكل الأصوات المختلفة، لتنقيح هذا المشروع من كل التراجعات الخطيرة عن مكتسبات بلادنا التي اعترته، والتي لا نشكك بصددها في حسن النية، بقدر ما نؤكد فيها عن غياب إبداع الحكومة للحلول الفعلية للإشكالات الفعلية التي تعاني منها المنظومة، فلا التغريم يحل إشكالية التخليق، ولا تقويض الحقوق يحل أزمة اللافاعلية، ولا دس مقتضيات قوانين في قوانين أخرى يساعد على بناء الثقة.”