- إكرام البدوي (°)
الهُوِيَّة ليست مجرد مفهوم عابر أو إطار خارجي يحدد طبيعة الانتماء، بل هي جوهر الوجود الإنساني الذي ينبع من عمق التفاعل بين الإنسان وذاته من جهة، وبين الإنسان ومحيطه من جهة أخرى. إنها بناء حيّ يتشكل باستمرار من خلال التفاعل بين القيم، والتاريخ، والعادات، والتقاليد، حيث تمثل اللغة الركيزة الأساسية التي تميز كل مجتمع عن الآخر. فاللغة ليست أداة للتواصل فحسب، بل هي الكيان الذي يترجم تجربة الشعوب ويحولها من رموز إلى تعبير حيّ عن هُوِيَّة جماعية تعكس طابع الأمة الحضاري والثقافي.
لطالما كان سؤال الهُوِيَّة محورًا لفكر الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ، حيث ارتبط هذا السؤال بالوعي الذاتي للإنسان. في هذا السياق، يشير فتحي المسكيني إلى أن فلاسفة العرب القدامى استعانوا بمفهوم “الهُوِيَّة” المتحول من الضمير “هو” للدلالة على وجود الإنسان. وقد اقتُرحت هذه الكلمة في إطار ترجمة الفلسفات اليونانية، حيث أُخذت عن مفهوم “إسنين” الذي استخدمه أرسطو للدلالة على وجود الشيء وخصائصه الثابتة. بهذا، أصبحت الهُوِيَّة تعبيرًا عن الثبات الذي يواجه التغيرات، ومفهومًا يتداخل بين الفلسفة والواقع، مما يجعلها مكونًا رئيسيًا لفهم طبيعة الإنسان والوجود.
ورغم قدم مفهوم الهُوِيَّة، إلا أن المصطلح لم يظهر بوضوح في المعاجم القديمة مثل “لسان العرب” لابن منظور، حيث اقتصر تفسيره على معانٍ مبسطة مثل “هُوة” أو “الحفرة العميقة”. لكن هذا لم يمنع الفلاسفة العرب، بدءًا من الكندي والخوارزمي مرورًا بالفارابي وابن رشد، من استيعاب هذا المفهوم وتوظيفه لفهم قضايا أعمق تتعلق بكيان الإنسان ومصير الشعوب. يرى ابن خلدون أن الهُوِيَّة ليست ثابتة، بل هي تاريخية وثقافية تتطور مع الزمن. التحولات التي تطرأ عليها ليست تهديدًا، بل مصدر إغناء يعزز مرونتها وقدرتها على التكيف مع المتغيرات.
ومع ذلك، فإن الهُوِيَّة في عصر العولمة تواجه تهديدات كبيرة نتيجة هيمنة الثقافات الكبرى واللغات العالمية على حساب اللغات المحلية. أدى ذلك إلى زعزعة استقرار الهُوِيَّات الثقافية والتاريخية للشعوب، وتراجع دور اللغات الأصلية كوسيلة للإبداع الفكري والعلمي. أصبحت هذه اللغات مهددة بالاندثار، مما أثر على قدرة الشعوب على الحفاظ على ذاكرتها وهُوِيَّتها.
في هذا الإطار، تبرز اللغة كأكثر من مجرد وسيلة للتعبير، بل هي جسر يربط الماضي بالحاضر، ووعاء يحمل معاني التجارب الإنسانية لتصبح جزءًا من ذاكرة الأمة. يرى جاك دريدا أن “اللغة تحمل العالم في جوفها”، مشيرًا إلى أن اللغة ليست أداة لنقل المعرفة فقط، بل هي الإطار الذي نرى من خلاله أنفسنا ونتفاعل مع العالم. إنها التي تصوغ ملامح الهُوِيَّة، حيث تُترجم القيم والموروث الثقافي إلى رموز يفهمها الجميع ويتفاعلون معها، مما يجعل العلاقة بين اللغة والهُوِيَّة علاقة عضوية وحيوية لا يمكن فصلها.
تمثل اللغة العربية نموذجًا حيًّا لهذه العلاقة العضوية بين اللغة والهُوِيَّة، فهي ليست مجرد أداة للتواصل في العالم العربي، بل رمزًا للهُوِيَّة القومية والثقافة العربية. كانت العربية في يوم من الأيام لغة للعلم والفلسفة والإبداع الأدبي، لكن مكانتها تراجعت في العصر الحديث نتيجة عوامل عدة، أبرزها العولمة والانفتاح الثقافي، إلى جانب ضعف استخدامها كوسيلة للإنتاج الفكري والمعرفي. هذا التراجع لم يقتصر على اللغة فحسب، بل امتد ليؤثر على الهُوِيَّة الثقافية والحضارية للأمة، حيث أصبحت اللغة العربية تعبر عن هوية مهددة بفقدان روحها، ما جعل من الحفاظ عليها تحديًا وجوديًا يتطلب تضافر الجهود.
لا يمكن فصل اللغة عن الهُوِيَّة الثقافية لأي أمة، فهي العمود الفقري الذي يحمل موروثها التاريخي وقيمها الحضارية وتجاربها المشتركة. ومع ذلك، فإن الهُوِيَّة ليست لغة فقط، بل هي كيان أشمل يضم الدين، والجغرافيا، والتاريخ، والثقافة. رغم ذلك، تبقى اللغة الوسيط الأساسي الذي يعبر عن هذه العناصر ويجسدها. يعبر سقراط عن هذا الدور بقوله: “تكلم كي أراك”، في إشارة إلى أن اللغة هي التي تكشف جوهر الإنسان وتُظهر ملامح هُويته. لذا، فإن الحفاظ على اللغة هو في جوهره حفاظ على الهُوِيَّة نفسها، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل هي الفضاء الذي تنبثق منه الهُوِيَّة وتُعاد صياغتها مع الزمن.
اللغة كانت دائمًا المحور الرئيسي لصراع البقاء. بقاء اللغة أو اندثارها ينعكس مباشرة على هُوِيَّة الأمة، فهي الرابط الذي يجمع الأجيال بخبراتها وأحلامها وآلامها. اللغة هي الوعاء الذي يضم نفائس الفكر وذخائر الأعراف والعقائد. وكما أشار جاك دريدا، فإن “حدود لغتي هي حدود عالمي”، مما يبرز الأهمية المطلقة للغة في تشكيل الذات الفردية والهُوِيَّة القومية على حد سواء.
وفي إطار هذا الفهم العميق، يرى الفيلسوف مارتن هايدغر أن اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل المعاني، بل هي “مسكن الوجود”. اللغة هي المكان الذي يعيش فيه الإنسان ويتشكل وعيه من خلاله، حيث ينقل الشعراء والمفكرون معاني الوجود إلى اللغة ويصونونها داخلها. من هنا، فإن اللغة ليست انعكاسًا للواقع فحسب، بل هي التي تفتح أمام الإنسان أبواب العالم. إنها الأداة التي بها يتعرف الإنسان على ذاته، ويُبرز تفرده، ويرسم ذاكرته الجمعية التي تشكل طريقة تفكيره ونظرته للعالم.
وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها اللغة العربية، فإنها تظل الأداة التي يمكن من خلالها للأمة أن تُعيد بناء هُوِيَّتها. لكن هذه المهمة تتطلب تجاوز حالة الجمود إلى إعادة إحياء اللغة كوسيلة للإبداع والتجديد. كما يرى حسن حنفي، فإن الهُوِيَّات لا تتحقق إلا إذا استطاعت الشعوب أن تتجاوز ثقافة المركز المهيمن لتبرز خصوصيتها الحضارية. عندئذٍ، تصبح اللغة أداة للأخذ والعطاء، وليست مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الماضي، ولا يمكننا أن ندرك معنى الوجود إلا من خلال اللغة، فهي الوسيط الذي تنبثق منه الهوية وتُبنى به الحضارة، إذ لا هوية تُوجد بلا حضارة، ولا حضارة تُقام بلا لغة. وإذا كنا نشعر بالألم لفقدان ملامح الهوية العربية القومية، التي أصبحت باهتة بفعل تأثيرات العولمة والانفتاح الثقافي وهيمنة الاقتصاد الرأسمالي، فكيف بنا أمام هوية المرأة التي تعاني غيابها داخل هوية أوسع باتت هي الأخرى مهددة بالاندثار والتلاشي في ظلال المجهول؟
(°) باحثة مصرية مختصّة في دراسات المرأة








تعليقات
0