محمد المنتصر
الأربعاء 8 مارس 2023 - 16:21 l عدد الزيارات : 32419
عبد الرحيم الراوي
يمتاز المسرح المغربي، بتنوع مواضيعه ومذاهبه كباقي المسارح في العالم، ومنذ نشأته ظل حريصا على أن يحافظ على هويته وطابعه المحليين، وذلك من خلال الديكور والملابس والألوان والإنارة.. كما حافظ على الأجناس المسرحية في تعامله مع النصوص الكوميدية والدرامية بطريقة مغربية محضة، وهذا ما أعطى للمسرح المغربي قيمته ومكانته التي يستحقها بين الدول.
طيلة هذه الفترة برزت مجموعات مسرحية بالعديد من المدن المغربية، كمراكش والرباط وأكادير والدار البيضاء.. أبدعت في طرح مواضيع ذات صلة بالواقع الاجتماعي، ومست قلوب الجمهور المغربي، بعد أن لمس فيها اهتمام المسرح بقضاياه الاجتماعية، ومتنفسا لهمومه ومشاكله، وأصبح يحظى بمكانة شعبية رفيعة مقارنة بالتلفزيون والسينما، خاصة في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي.
ويعتبر مسرح “غرناطة” أحد التجارب المتفردة وسط هذا الزخم الفني، كونه منفتح على النصوص المسرحية المغربية التي تهتم بمواضيع تتعلق أساسا بقضية المرأة، والإشكالات القانونية والحقوقية التي تعيق مسار حياتها داخل مجتمع ذكوري لا تملك فيه حق تقرير المصير بمحض إرادتها الشخصية.
وهذا يظهر بجلاء في كل العروض المسرحية التي أنتجتها الفرقة المسرحية، نذكر منها “سحت الليل” “بورتريه” “دار الباشا” “سعدات سعيد” “رياض الزاهية” “شغل لعيالات” “آش داني”
لعل كل هذه العروض لفرقة “غرناطة” منذ أن انطلقت في مسيرتها الفنية، تحاول تسليط الضوء على معضلة اجتماعية، باتت تعيق مسار التنمية والتقدم في البلاد على مر الزمن، لهذا يجدد المخرج عمر الجدلي بإصرار وعناد، التزامه، في كل عمل جديد، وفاءه في طرح حالة من الحالات المرتبطة بحقوق المرأة وحريتها في محيطها العائلي والاجتماعي، فيجسد صورها في قالب درامي وكوميدي، ليخلق من خلاله مواقف معقدة تبعث على السخرية والضحك الأسود، أو ما يعرف بL’humour noir، بهدف تصحيح أفكار مجتمعية عقيمة، لا تتماشى مع تطور الأحداث، ولم تتخلص بعد من التفسير الخاطئ لبعض النصوص التشريعية، وهنا تكمن موهبة المخرج عمر جدلي في قدرته على خلق مواقف قوية أكثر تأثيرا بطريقة ذكية تلتزم بقواعد فن المسرح الهادف، فتنتهي بتقديم عرض مسرحي متكامل من جميع الجوانب.
غالبا ما نجد المخرج الشاب عمر الجدلي، وهو يضع شخصية المرأة في تعارض مفضوح بين ما يطلب منها داخل الوسط العائلي أو خارجه، تستوجبها العادات والتقاليد، وتفرضها الحدود القانونية والخطوط الحمراء، وبين ما يستهويها من طموحات في تحقيق ذاتها، وهي ترفض من يمارس عليها أسلوب الوصاية والتحكم في المصير.
كل ذلك يجعل المخرج عمر جدلي يشتغل بكل ما يتوفر عليه من أفكار ووسائل تقنية ولوجيستية، تحت الضغط النفسي الذي تفرضه عليه المسؤولية الأخلاقية والمهنية، حتى لا يكون عرض مسرحياته من أجل المتعة فقط، بل من أجل طرح إشكالية المرأة بقوة على طاولة النقاش، ليشترك فيه جميع مكونات المجتمع، من فعاليات ثقافية وفكرية وإعلامية وسياسية، حتى يحظى بأولوية كشرط أساس لأي استراتيجية تنموية وتقدمية بالمغرب، خاصة وأن موضوع المرأة مطروح بإلحاح بخصوص مراجعة مدونة الأسرة من قبل هيآت وجمعيات تعنى بموضوع المدونة وعلى رأسها منظمة النساء الاتحاديات التي تنشط في هذا المجال وتناضل من أجل تصحيح الوضع القانوني والحقوقي للمرأة داخل المجتمع.
لهذا فالمسرح، هو واحد من الآليات المؤثرة التي يجب اعتمادها في تناول هذا النوع من المشاكل فنيا، باعتباره الوعاء الذي يجسد برقي كبير، هموم المرأة انطلاقا من الواقع الذي تعيشه داخل مجتمع محافظ وذكوري.
ومن تم أصبح من الواجب تشجيع مثل هذا النوع من العروض المسرحية الهادفة والملتزمة بدفاعها عن قضية أصبحت تشغل الرأي العام في ظل إشكالات أفرزتها التحولات الدولية والإقليمية، والتي أصبحت تفرض بإلحاح مراجعة المدونة، وإعادة النظر في بعض بنودها، حتى تمكن المرأة، من أن تكون أكثر اندماجا في مجتمع متوازن لا يشكو من الظلم، ولا يعاني فيه أي طرف بسبب الطرف الآخر.
تعليقات
0