الطالبي العلمي.. أي حديث عن الديبلوماسية البرلمانية المغربية يقترن بالتأكيد باسم عبد الواحد الراضي…
يسرا سراج الدين
الأربعاء 10 مايو 2023 - 15:57 l عدد الزيارات : 30845
عبر رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي خلال تخليد أربعينية القيادي الإتحادي الأسبق، عبد الواحد الراضي، عن حزنه لفقدان ركيزة أساسية من ركائز العمل البرلماني والسياسي المغربي والذي كان تجسيدا لرجل المؤسسات
المتشبث بثوابت الوطن والمدافع عنه.
وأكد العلمي على أن سيرة رئيس مجلس النواب الأسبق ورصيده في العمل السياسي والحزبي والمؤسساتي وروح ما آمن به ستظل حاظرة لا كانتماء سياسي واوديولوجي ولكن كقيم اعتدال وانتماء للمغرب، قائلا :” ان كان الراحل عضوا وبرلمانيا وأحد أعضاء الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فإنه كان رجل المؤسسات التي ظل مدافعا عنها مهما كان من يتولى المسؤولية فيها.. وكان دوما يحذر من تبخيسها لأن الأشخاص القاعدون بالكراسي والمناصب خاضعون لمنطق التغيير والتنواب فيما المؤسسات تابثة وباقية وكان عبد الواحد ذلك الرجل المدافع عن الشرعية مهما كانت السياقات الرافض لأي نسخ نماذج سياسية او مؤسسات”.
ولقَّب رئيس مجلس النواب الفقيد برجل الواقعية السياسية الرافض لأي ميل إلى نسخ لنماذج سياسية او مؤسساتية على السياق المغربي، وانه كان على هذا النحو واحدا ممن اسهموا في ترسيخ فكرة العمل من داخل المؤسسات في النسق الحزبي المغربي ومنه الحزب الذي تربى وترعرع وشب وشاخ فيه قاده لعدة سنوات، مشيرا إلى أن فكرة المؤسسة والشرعية قد ترسخت لديه من صلب الممارسة وما راكمه من مسؤوليات كمنتخب محلي ورئيس مجلس جماعي ونائب برلماني منذ أول برلمان منتخب في المغرب وكرئيس فريق برلماني ورئيس للمجلس ووزير، مؤكدا على أنه كان واحدا من الشخصيات التي حضيت على الدوام بثقة المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني وبثقت صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إذ بادل هذه الثقة بالوفاء الصادق للملكية وكان أحد المدافعين الكبار عن شرعيتها الدينية والروحية والديموقراطية باعتبارها ركيزة الاستقرار ولُحمة التوازن الوطني الاجتماعي.
وأضاف المسؤول البرلماني في حديثه عن الراحل عبد الواحد الراضي قائلا :”لقد ظل داخل المؤسسة التشريعية يحمل لقب رئيس وحتى هو مجرد نائب برلماني وحتى وهو وزير هكذا كان يخاطبه البرلمانيون والوزراء والموظفون بالمجلس وقد استحق هذا التقدير والإحترام لأنه السياسي الذي ترأس مجلس النواب لمدة ولايتين ونصف الولاية ولأنه كان قيدوم البرلمانيين المغاربة وربما قيدوم البرلمانيين عبر العالم وقد أسهم بهذه الصفة في بناء تقاليد برلمانية مغربية على غرار ما أسهم فيه من قبله من الرؤساء.. استحق هذا اللقب أيضا لأنه البرلماني الذي تولى باسم المغرب رئاسة عدد من المنظمات البرلمانية المتعددة الأطراف الدولية والقارية والإقليمية وعلى رأسهم أعرق منظمة متعددة الأطراف وهي الإتحاد البرلماني الدولي وبهذه الصفة وفي إطار الديبلوماسية البرلمانية كان مدافا عنيدا عن القضايا الوطنية وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية وفي دفاعه هذا كان يضع القضية في سياقها التاريخي والجيوسياسي ويُذكر بالمؤامرات التي استهدفت المغرب، الدولة الملكية الضاربة جدورها في التاريخ وفي تصديه للخلط بين حقوق الإنسان وقضايا الوطن والابتزاز الذي يتعمد خصوم بلادنا في مهاجمة المغرب ومصالحه ومؤسساته خاصة منهم طيف سياسي في البرلمان الأوروبي كما هو واقع اليوم كان يخلع عنه العباءة الحزبية ليلبس رداء الوطن الذي هو أكبر منا جميعا كان يقوم بذلك وتلك كانت عقيدته وحزبه في المعارضة كما في الأغلبية”.
كما عدد الطالبي مميزات الفقيد قائلا : “من ميزاته أيضا الإتزان والحكمة التي يجب أن تتوفر دوما في رجل الدولة الذي يحب أن يعرف كيف يقيم الحدود بين الموقف الحزبي والقرار العمومي.. أتذكر أنني تسلمت منه بصفته النائب البرلماني الأكبر سنا رئاسة المجلس لولايتين بعد جلستي انتخاب الرئيس وكيف كان متفائلا بمستقبل الديموقراطية والعمل البرلماني بالمغرب في ظل القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.. كان متفائلا سعيدا بأن يُسلم مهمة الرئاسة إلى زملائه المتعاقبين على الرئاسة خلال ولايات تشريعية متعاقبة وهو يرى جيلا جديدا من السياسيين ومن النُخب تلِج السياسة في سياق تجديد النخب ومراكمة مزيد من الإصلاحات التي تٌرسخ استقرار المغرب وتؤشر على تميز نموذجه المؤسساتي”.
وأضاف المتحدث قائلا :” رحل عبد الواحد لكن أحسن ما تركه فينا على غرار وطنيين كبار آخرين من أمثاله أن الأوطان ومؤسساتها باقية والأشخاص والاحزاب والتحالفات خاضعة دوما لمنطق التغيير ولتَمَوُّجات السياسة ومخاضات المجتمعات.. لما انتهت مهامه في رئاسة المجلس وفي الوزارة وفي قيادة حزبه السياسي التزم وهو يؤدي مهماه التمثيلية بصمت الحكماء بأنه كان مقتنعا بأنه أدى مهمته كان يعتبر نفسه جزء من الجميع نائيا بنفسه عن اشباه المعارك الاعلامية ليخط في كتاب ضخم في مذكراته التي جمعها تحت عنوان المغرب الذي عشته والذي انجز ترجمته بالفرنسية بنفسه وكما تعرف ذلك الأوساط الأكاديمية فإن الراحل كان أستاذا لعلم النفس الاجتماعي وقد اسعفه ذلك في التركيز دوما على أهمية التنشأة الاجتماعية والمبادئ في فرز النخب وسقل مهاراتها ودعم قدراتها كان منشغلا بمسألة الديموقراطية الهوية والتمثلات ولذلك كان يركز دوما على الجانب البيداغوجي في توصيل الخطاب وتأصيل الأفكار وتثبيت المواقف ذلك ما كان منهجه في الدفاع عن قضية الوحدة الترابية ومصالح الوطن وأيضا عن القضايا العادلة للشعوب كما في الإقناع السياسي”.
وذكر العلمي بمساهمات الفقيد الكثيرة على المستوى الدولي قائلا :” وفي هذا الصدد وفي أربعينية الفقيد الرئيس عبد الواحد الراضي يتعين التذكير بأن أي حديث عن الديبلوماسية البرلمانية المغربية يقترن بالتأكيد باسم هذه الشخصية السياسية المغربية ساهم باسم بلاده ممثلا لبلدان الجنوب وشرق الحوض المتوسط في تأسيس المنتدى البرلماني الأورومتوسطي في 1998 وساهم بفعالية في تحويله الى جمعية برلمانية في 2004 وساهم في تأسيس الجمعية البرلمانية لحوض المتوسط أي برلمان البحر الأبيض المتوسط حاليا التي ترأسها في أول ولاية دُشنت في 2006 بعد أن ساهم منذ 1993 بفعالية في مؤتمر الأمن والسلم بحوض المتوسط الذي انبثقت عنه هذه الجمعية وساهم في تأسيس اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاسلامي في مطلع الألفية الثالثة باعتباره الدراع البرلماني لمنظمة التعاون الإسلامي.. كان يحلم بمنطقة أورو متوسطية يسودها التعاون والأمن والسلم وبأن يستعيد حوض المتوسط روح الحضارات القديمة كمهد للثقافات والابداع والتعايش والتفاهم والتسامح (روح فاس غرناطة وأثينا)، مع كامل الأسف توفي قبل أن يرى هذا الحلم يتحقق وبالتأكيد كان يتألم كما نتألم جميعا ألم المثقفين والسياسيين وهو يرى المنطقة تهوى الى المزيد من عدم الاستقرار والصراع والنزاعات مع كل الكلفة البشرية والاقتصادية والتاريخية لهذا الدمار.. ويتأكد أن الشرق الأوسط أبعد من أي وقت مضى عن السلام والإستقرار لكنه في هذا الباب ومن زاوية اشتغاله أدى مهمته بالمساهمة في التأسيس لمجموعة برلمانية أورومتوسطية وعقيدة برلمانية تنزع من الابتعاد عن التقاطبات وعن المواقف المتطرفة ودليلي في ذلك انه عندما تسلمت رئاسة الجمعية البرلمانية لإتحاد من أجل المتوسط خلال الولاية التاسعة في 2015 و2016 وجدت الطريق سالكا الى رئاسة مغربية ميسرة كان بالتأكيد للسيد عبد الواحد الراضي دور كبير في تعبيد مسالكها مدعوما كذلك بموقع بلادنا الدولي والإقليمي وسمعتها المقدرة بفضل اصلاحاتها الديموقراطية والمؤسساتية بقيادة صاحب الجلالة وبفضل تاريخها المشرق ومساهمتها التاريخية في الحضارة وهذا الفضاء الجغرافي والبشري الخصب”.
وختم رئيس مجلس النواب كلمته قائلا :” التقت في شخصية الفقيد الأبعاد الوطنية والكونية وتعلم من الممارسة ومن المؤسسات قيمة التوافق والتجميع بأفق حداثي مؤمن باختلاف وضرورة الديموقراطية كان دائم الإلحاح على الانضباط لصناديق الإقتراع مع الحرص على إشراك الجميع وبناء التوافق وإخصاب المواقف المجمعة في السياق الوطني الراهن كما في السياقات الإقليمية والدولية.. ينبغي أن نستحضر سيرة هذا الرجل ليس فقط بالدفاع عن القضايا الوطنية وفي الالتزام السياسي والانضباط المؤسساتي ولكن ايضا في درء الاستقواء بالأجنبي والإستيلاء على الوطن من أجل خدمة أجندات شخصية.. في لمة تأبين الرئيس عبد الواحد الراضي أعيد التأكيد أنه علينا أن نؤمن بإمكانيات بلادنا وقدرتها على النجاح والتقدم الديموقراطي والازدهار الاقتصادي وأن نتوج الى المستقبل بروح التفاؤل وأن نتصدى لليأس وأن نستحضر قاعدة التراكم في البناء وأن نستحضر بالأساس أننا دولة أمة بتاريخ عريق”.
تعليقات
0