حضور سينمائي قوي بتاء التأنيث خلال الدورة 29 لمهرجان السينما المتوسطية بتطوان
rawi
الثلاثاء 21 مايو 2024 - 14:51 l عدد الزيارات : 31608
أمينة بركات
تحت رحمة قطرات المطر التي أثلجت صدور المغاربة، تستمر الأنشطة السينمائية والعروض الفيلمية، المبرمجة في هذه الدورة المتميزة بفقراتها وضيوفها، الوافدين من دول ضفتي البحر الأبيض المتوسط، من بينها فلسطين فرنسا إيطاليا والبلد المضيف المغرب. العروض التي تمت لحد اليوم جميلة جدا، كان اختيارها راقيا وصائبا لتوفرها على مقومات الفيلم، من بين هذه الأفلام شريط”من عبدول إلى ليلى”، فيلم وثائقي يسافر بك إلى عوالم من الزمن الماضي، تتقاسم فيه نوسطالجيا السيد عبدول، وهو أحد اللاجئين العراقيين الفارين من نظام الرئيس الراحل صدام حسين، تحكي فيه المخرجة الشابة ليلى البياتي معاناة والدها في بلده الأم العراق وتعرضه للمضايقات من طرف النظام الدكتاتوري بالإضافة إلى معاناته النفسية في بلد لا يشبه الوطن الأم.. لا ينبث فيه نخيل ولا يسير فوقه بعير ولا يسمع فيه صوت دجلة والفرات ولا توجد فيه واحات.. ولا صحراء.. ولا تاريخ كالعراق.. من خلال سرد الأحداث، يشعر المتفرج بالرغبة الشديدة لهذه المخرجة في تعلم اللغة العربية، والبحث عن ذاتها لاستعادة هويتها العربية من خلال حفظها الكلمات التي تعلمتها عن أبيها وتصيغها بطريقة جيدة ومعبرة نابعة من أعماق قلبها، أغاني بسيطة، ولكنها ذات أحاسيس رهيفة تحمل في طياتها الكثير من الحب واللهفة لجذورها.
ظروف الأب المنفي في أوروبا، أثرت فيها وجعلت منها إنسانة رقيقة المشاعر والعواطف كما أن الحادثة التي تعرضت لها أفقدتها جزءا من الذاكرة، إلا أنها كانت سببا في تحريك الشعور الداخلي الذي دفعها إلى البحث بلا كلل عن عنصر الانتماء للوطن الأصلي، بالرغم من أن والدتها الفرنسية حاولت إقناعها بأنه لا جدوى من ذلك. الأسلوب الشاعري الذي أنجزت به المخرجة فيلمها يعكس مدى تمكنها من أدواتها واحترافيتها، بالرغم من أنها مازالت في بداية عملها كصانعة أفلام، تجربتها السينمائية تعتبر باكورة مسارها الفني، الذي يتمثل في الشريط الطويل الفائز بجائزة مهرجان سينمائي بألمانيا. بهذا العمل المتفرد، تلتحق ليلى البياتي بصفوف الجيل الجديد من الشابات اللاتي اخترن الوقوف وراء الكاميرا لامتهان الإخراج، بعد أن كان حكرا على الرجال. تجربة ليلى البياتي لم تأت نتيجة تكوين أكاديمي أو دراسة جامعية خاصة بالسينما، وإنما هو أسلوب فردي متقن واجتهاد نموذجي في البحث عن أسلوب ناجع في تحقيق الذات وهي مغمورة بأحاسيس رقيقة اكتسبتها في أحضان وسط عائلي تحمل عناء ظروف صعبة في حياة مناضل عانى الأمرين: الإطهاد والغربة، وضحى من أجل حياة أفضل بمساندة رفيقة دربه زوجته الأجنبية.
جاءت محاولات المخرجة في صنع أفلام ناجحة لتؤكد أنها استطاعت توظيف عينها الثالثة بأسلوب خاص يخترق طريق الصناعة السينمائية الكلاسيكية، بعد أن أضافت الموسيقى بشعر والدها فامتزج فيها حب الوطن بمرارة الغربة و الابتعاد عن أرض العراق. ببساطتها وعفويتها تتقاسم ليلى أحاسيسها وفرحتها مع ضيوف الدورة 29 لمهرجان تطوان التي أتاحت الفرصة للمدعوين للمشاركة في العديد من اللقاءات الفكرية والثقافية بشغف البحث عن جديد سينما البحر الأبيض المتوسط في نسخة جمعت أسماء لامعة اختاروا أن يسبحوا في بحر عالم سحري وفضاء شاسع لكل من تستهويه آليات صناعة الأفلام..