بنيونس المرزوقي: معالم السياسة الملكية قبل دستور 2011 ..وبعده

rami الثلاثاء 30 يوليو 2024 - 05:10 l عدد الزيارات : 47872

بنيونس المرزوقي
عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
أستاذ باحث بكلية الحقوق بوجدة

ما هي معالم السياسة الملكية في العهد الجديد قبل دستور 2011؟
لم يتم الانتباه للسياسة الملكية الجديدة التي كانت، وبكل المقاييس، «ثورة» إصلاحية هادئة وعميقة. ففي الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر إصلاحا من أعلى ينطلق باعتماد دستور جديد كمنطلق لمختلف الإصلاحات الأخرى الفرعية، اعتمد صاحب الجللة إصلاحا قاعديا ينطلق من تصفية الملفات العالقة قصد الوصول لإصلاح دستوري يكون تتويجا لما سبق وليس منطلقا له.
وهكذا، قام الملك الشاب الجديد بصفية كل الملفات السابقة والمفتوحة قصد إيجاد الحلول الملائمة لها. فيعد خطاب 1999 الشهير حول «المفهوم الجديد للسلطة»، قام بمبادرات لم تكن منتظرة، أسوق لكم/ن أمثلة عنها:
– زيارة مدينة وزان، كل ما يحمله لك من دلالات روحية؛
– تلا ذلك زيارات متكررة لمناطق كانت شبه مقصية، وعلى رأسها جهة الشرق التي زارها ما يفوق 25 مرة؛
– تحويل المناسبات الوطنية الكبرى من العاصمة لمناطق وجهات أخرى، وأساسا احتفالات عيد العرش، وحفلات الولاء السنوية؛
– زيارة منطقة أجدير بالريف، ومعالجة ملف الأمازيغية؛
– معالجة مخلفات سنوات الرصاص من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة، التي أصبحت لاحقا نموذجا دوليا يُحتذى به؛
– تحديث عصرنة مدونة الأسرة، باعتبار أن الإصلاح أخذ بعين الاعتبار أن الأمر يتعلق بقانون يهم الأسرة بل مكوناتها من رجال ونساء وأطفال؛
– إيجاد صيغة نهائية لمعالجة قضية الصحراء المغربية في المنتظم الدولي، من خلال مقترح مبادرة الحكم الذاتي؛
– إطلاق ورش توسيع فضاء حرية التعبير بكل أشكاله، فانتشرت الصحافة «المستقلة»، وتم تحرير الفضاء السمعي البصري، والسماح بتأسيس عشرات الهيئات الحقوقية، العام والمتخصصة (النساء، الإعاقة، التنمية البشرية…)؛
– وتم تتويج ذلك بإيجاد صيغة متطورة للإدارة الترابية من خلال فتح ورش الجهوية المتقدمة.
وهذا الورش بالذات، كان المدخل الرئيس للمراجعة الدستورية الشاملة.

  وكيف كانت وضعية الاتحاد الاشتراكي مع العهد الجديد بعد وفاة المرحوم الحسن الثاني؟
من المهم هنا الإشارة إلى أن الإجابة تقتضي تدقيق المراحل التي مرت منها بلادنا بعد وفاة المرحوم الحسن الثاني. لقد دخلت بلادنا عهدا جديدا وسياقات جديدة. فمن ناحية أولى، فإن التناوب التوافقي مكَّن حزب القوات الشعبية من قيادة الحكومة، انطلاقا من سنة 1998، بعد أن ظل بعيدا عن تدبير الشأن العام منذ الإطاحة بحكومة المرحوم عبد الله إبراهيم سنة 1960، ومن ناحية ثانية فإنه بعد تفويت العرش، الذي تم بسلاسة، في عهد المرحوم عبد الرحمن يوسفي، جَدَّدَ الملكُ الثقةَ فيه لتشكيل حكومته الثانية خلال شتنبر 2000.
كما أن الاتحاد الاشتراكي وجد نفسه في وضعيات جديدة، أوجد لها الحل المناسب من خلال تقديم مصلحة المغرب على مصلحة الحزب. فقد استمر في المشاركة في حكومات ما بعد المرحوم عبد الرحمن يوسفي، سواء عند تعيين حكومة إدريس جطو (مستقل) أو عباس الفاسي (استقلالي)، ولم يتغير وقفه من المشاركة إلا بناء على اعتبارات فكرية وسياسية عند فوز حزب العدالة والتنمية في استحقاقات 2012.
وقد كانت هذه المناسبة أول فرصة ينتقل فيها حزب القوات الشعبية من معارضة السياسة العامة للدولة إلى معارضة السياسات العمومية للحكومة، وهو ما أحدث تغيرا كبيرا في تصور الحزب للشأن العام، وتصور الفئات المثقفة والشعبية لدور الاتحاد الاشتراكي.

  نفهم من خلال هذه الإجابات أنهكان هناك مسلسل إصلاحي أفضى للمراجعة الدستورية؟
نعم، وقد تم ذلك بشكل سلس مرة أخرى، من ثلاثة نواحي:
فمن ناحية أولى، ومن حيث عنصر الزمن، نُلاحظ أن التفاعل الملكي مع مختلف المطالب، جاء سريعا باعتبار أن الفترة الفاصلة ما بين 20 فبراير و9 مارس لا تتعدى 17 يوما. وقد كان للتأصيل النظري الوارد في الخطاب دور في توضيح التصور الملكي للمسلسل الإصلاحي، خاصة عند الحديث عن أسلوب التدرج في التطور الديمقراطي الذي أهل المغرب للشروع في تكريسه دستوريا؛
ومن ناحية ثانية وبخصوص الشكل، نُلاحظ اعتماد مقاربة جديدة من حيث طريقة مراجعة الدستور. لقد تم إحداث لجنة استشارية ملكية، يعرف كل المتتبعين والمتتبعات أسماء أعضاءها وتاريخهم ومساهماتهم في الحقل الذي تم تعيينهم على أساسه، وبالتالي لم نعد أمام لجان لا نعرف تشكيلتها، وا المهام التي أسندت إليها، ولا حتى التوجيهات الموجهة لها؛
ومن ناحية ثالثة وأخيرة، وفيما يخص المضمون، كانت المفاجئة أكبر وأكبر. فعلى العكس مما كان منتَظَرا من تعديل دستوري لمقتضيات دستور 1996، تم فتح ورش موسع للمراجعة الشاملة للدستور، وعلى أساس محاور جاءت في خطاب 9 مارس التاريخي.

 بالمناسبة ما هو السياق العام لمراجعة دستور 1996: دور حركة 20 فبراير والأحزاب السياسية الديمقراطية؟
أولا، تنبغي الإشارة إلى أن بلادنا، على غرار دول إقليمية أخرى، عرِفت حركة اجتماعيةشبيبية عُرفت باسم حركة 20 فبراير، تمكنت من تحريك الوضع السياسي بالبلاد في اتجاه التسريع بالإصلاحات الدستورية. فبلادنا كانت تعرف تراكمات سابقة في مجالات مُتعددة، من قبيل التعددية الحزبية والتقدم النسبي لحقوق الإنسان، وفتح أوراش إصلاحية كبرى قصد تسوية ملفات الماضي. لذا، فإن ما قامت به حركة 20 فبراير يتمثل أساسا في رفع شعارات متفاوتة المدى، كان لها الدور الأساس في عملية تسريع الإصلاح الدستوري بالضبط، باعتبارها حركة واعية ومسؤولة، على العكس من حركات احتجاجية في بلدان أخرى رفعت مباشرة شعارات تستهدف الإطاحة بالنظام القائم دون تصور واضح للبديل باستثناء شعارات عامة، مما جعلها تتيه في عملية بناء الدولة الجديدة. وعلى العكس من ذلك، فإنه بالنسبة للمغرب، جاء الخطاب الملكي ليوم 9 مارس ليُجيب عن كل الشعارات التي تم رفعها، ووفق مقاربة جديدة.
ثانيا، ينبغي هنا ألا يتم تبسيط الإشكال بالقول أن حركة 20 فبراير قامت لوحدها بتحريك عملية الإصلاح السياسي والدستوري ببلادنا. لقد أبانت الأحزاب السياسية الديمقراطية في مناسبات عديدة، بدأت مباشرة مع الاستقلال، اهتمامها بمستقبل البلاد وتأطيره الدستوري وإصلاحاته السياسية، بل أن بعضا من هذه الأحزاب، ومن ضمنها أساسا حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قد أدى «ضريبة الوطنية» من حرية وأرواح مناضلاته ومناضليه، بالموازاة مع التضييق على حقه في التعبير وإصدار جريدته، وفتح مقراته، واعتقال قياداته، طيلة سنوات يدل اسمها على طبيعتها: «سنوات الرصاص»، ولهذا كان لهذا الحزب قوة تعبئة جماهيرية كبيرة، تمَكَّن من خلالها من التأثير بشكل مباشر في طبيعة مطلب الإصلاحات السياسية والدستورية.
وطبعا، فإن هذه العملية، لم يتم هذا على صعيد التحالفات والتكتلات التي كان يِسسها وينتمي إليها من قوى يسارية، وكتلة وطنية، وكتلة ديمقراطية، بل أيضا من خلال امتداداته المجتمعية على صعيد رجال الإعلام، وكتاب المغرب، وقضايا النساء، والموظفين العموميين، وقطاع الأجراء، وباختصار مُختلف الفئات الاجتماعية، فكان من الطبيعي جدا أن يكون الشباب في مُقدمتها.
لذا، فإن أي تحليل يفصل حركة 20 فبراير عن السياق العام لمطالب وتصورات الأحزاب السياسية الديمقراطية، تحليل مجانب للصواب.

  بصفة عامة ماذا كانت الخطوط العامة الواردة بخطاب 9 مارس؟ وهل كانت تُشكل تقييدا أم تحفيزا للإصلاح الدستوري؟
أعتقد مرة ثانية، أننا وجدنا أنفسنا أمام ثورة من طبيعة خاصة. لقد استعمل الملكُ مصطلحاتٍ ومفاهيمَ جديدة على الساحة الوطنية، حيث تمت الإشارة إلى: الجهوية المتقدمة، المراجعة الدستورية العميقة، النقاش الوطني الواسع والبناء.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image