اتفاقية شنغن على وشك الانهيار… مستقبل حرية التنقل في أوروبا في مهب الريح
rami
الأحد 22 سبتمبر 2024 - 13:42 l عدد الزيارات : 54754
أنوار بريس
يستعد الاتحاد الأوروبي سنة 2025 للاحتفال بمرور 40 عامًا على توقيع اتفاقية شنغن، التي تعد من أهم إنجازات التكامل الأوروبي، كونها مهدت الطريق لإلغاء الرقابة الحدودية بين العديد من الدول الأوروبية. ومع ذلك، تأتي التحركات الألمانية الأخيرة التي تقضي بتوسيع القيود على الحدود وفرض عمليات مراقبة بدعوى مكافحة الجريمة والهجرة غير النظامية، لتطرح تساؤلات جديدة حول مصير هذه الاتفاقية ومستقبل حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي.
اتفاقية شنغن، التي وُقعت في يونيو 1985 في بلدة شنغن بلكسمبورغ، كانت خطوة كبيرة نحو إنشاء فضاء أوروبي بلا حدود داخل عدد من الدول الأوروبية.
رغم التحديات التقنية والدبلوماسية التي واجهتها، أصبحت الاتفاقية سارية المفعول بعد حوالي عقد من الزمن، وانضمت دول أخرى لاحقًا إلى هذا الفضاء، ليصبح اليوم يغطي أكثر من 420 مليون شخص ويمتد على مساحة واسعة تزيد عن 4 ملايين كيلومتر مربع. الاتفاقية سمحت أيضًا لمواطني 59 دولة بالدخول إلى هذه المنطقة دون الحاجة إلى تأشيرات دخول، مما جعل الاتحاد الأوروبي واحدًا من أكثر الوجهات جاذبية للسياح.
لكن على مر العقود، واجهت اتفاقية شنغن عدة تحديات، لا سيما في أوقات الأزمات. ففي عام 2015، ومع تدفق أكثر من مليون لاجئ من الشرق الأوسط وآسيا، اضطرت بعض الدول مثل النمسا والسويد إلى إعادة فرض الرقابة على حدودها، مما أثار القلق بشأن بقاء الاتفاقية. ثم جاءت جائحة كورونا لتضيف تحديًا جديدًا، حيث قامت العديد من الدول الأعضاء بإغلاق حدودها للحد من انتشار الفيروس، ولكن رغم ذلك، استطاعت شنغن النجاة واستعادة مكانتها بعد تراجع الأزمة الصحية.
مع انحسار الجائحة، عادت أعداد اللاجئين إلى الارتفاع بشكل قياسي في عام 2023، ما وضع مزيدًا من الضغط على مراكز إيواء طالبي اللجوء في مختلف دول الاتحاد الأوروبي. لم يكن لهذه الأزمة تأثير مباشر على اتفاقية شنغن، لكن حادثة الطعن التي ارتكبها طالب لجوء في مدينة زولنغن الألمانية أثارت تساؤلات جديدة حول قدرة الاتفاقية على الصمود أمام تصاعد التوترات الأمنية. الأحزاب المحافظة واليمينية في ألمانيا، كما في عدد من دول الاتحاد الأخرى، بدأت تطالب بخطوات أكثر صرامة على الحدود، حتى لو كان ذلك يعني تجاوز التزامات اتفاقية شنغن.
في هذا السياق، قررت ألمانيا فرض إجراءات رقابية مؤقتة على حدودها البرية، وهي خطوة لم تمر دون تحفظات وانتقادات داخلية وخارجية. المسؤولون الأوروبيون، وخاصة من دول مثل لوكسمبورغ التي تستفيد من حرية التنقل عبر الحدود الألمانية، أعربوا عن مخاوفهم من أن تؤدي هذه التدابير إلى تراجع أحد أهم مكاسب الاتحاد الأوروبي. جان كلود يونكر، الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية، انتقد ضمنيًا هذه الإجراءات، محذرًا من أن “الإنجازات التي حققها الاندماج الأوروبي أصبحت موضع تساؤل” بسبب هذه السياسات.
ألمانيا ليست الدولة الوحيدة التي لجأت إلى تعزيز الرقابة على حدودها؛ فقد سبقتها دول أخرى في منطقة شنغن، مثل النمسا وفرنسا وإيطاليا، التي اتخذت تدابير مشددة بسبب المخاوف الأمنية والهجرة. النمسا، على سبيل المثال، فرضت رقابة مؤقتة على حدودها مع التشيك والمجر بسبب مخاوف من تداعيات الحرب في غزة والتهديدات الأمنية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. وفي فرنسا، تم تعزيز المراقبة على الحدود في إطار التحضير لدورة الألعاب الأولمبية لعام 2024.
ورغم أن اتفاقية شنغن تعارض بشكل أساسي الرقابة الحدودية، إلا أنها تسمح بفرض قيود مؤقتة في حالات الطوارئ القصوى. هذه القيود، التي من المفترض أن تكون محدودة في الزمن والمكان، أصبحت أكثر شيوعًا في السنوات الأخيرة. منذ عام 2006، قدمت الدول الأعضاء في شنغن 441 طلبًا لفرض رقابة مؤقتة على الحدود، مما يشير إلى تصاعد اللجوء إلى هذه التدابير التي كانت في الأصل استثنائية.
المحللون يشيرون إلى أن هذه التحديات الأمنية والسياسية قد تجعل من الصعب على منطقة شنغن الحفاظ على وضعها الحالي كمنطقة بلا حدود. ألبرتو هورست نيدهارت، مسؤول التحليل السياسي في مركز السياسة الأوروبية، يقول إن شنغن “ليست على وشك الانهيار”، لكنها تواجه تحديات كبيرة. وخلص إلى أن الإصلاحات الأخيرة، التي كان يُفترض أن تحافظ على حرية التنقل، تبدو الآن وكأنها مجرد وهم. مشيرًا إلى أن مستقبل شنغن سيظل محفوفًا بعدم اليقين والاضطرابات.
في النهاية، وعلى الرغم من أن اتفاقية شنغن لا تزال قائمة، فإن تواتر فرض الرقابة الحدودية، وزيادة انتشار الأطروحات اليمينية التي تطالب بمزيد من الحماية الوطنية، يجعلان من مستقبل الاتفاقية أكثر غموضًا من أي وقت مضى.