علي الغنبوري

الكل تابع كيف وصل الإسلاميون إلى سدة الحكم في عدد من الأقطار والدول في المنطقة العربية، مباشرة بعد الربيع العربي، وكيف وجدوا أنفسهم كقوة منظمة، بدون أي منافسة سياسية داخل الشارع، حيث استطاعوا اكتساح المشهد السياسي العربي وتمكنوا من الظهور كبديل سياسي قادر على قيادة هذه الدول وإصلاح أحوالها.

لن أتحدث في هذا المقال عن أسباب انهيار المشاريع السياسية المنافسة للإسلاميين ولا الأيديولوجيات التي كانت مهيمنة في الوسط العربي لسنوات، رغم أنها من بين الأسباب الحقيقية لهذا الظهور القوي للإسلاميين، ولكن سأقتصرعلى الحديث فقط على الصدمة التي واجهها الإسلاميون وهم داخل الحكم، وكيف فشلوا في الإصلاح، وكيف فقدوا عوامل جذبهم السياسي.

لقد بنى الإسلاميون مشروعهم السياسي بشكل كلي وتام على المعطى الديني، فالدين بالنسبة لهم هو المنطلق والوسيلة والغاية، فقد اعتبروا وآمنوا، أن الهيمنة السياسية والوصول إلى الحكم لا يمكنه أن يتم إلا عبر الدين وعبر الاستغلال السياسي للدين، باعتبار أن الدين هو الخطاب الأكثر قدرة على استمالة الجماهير والتأثير فيها وتوجيهها.

صاغ الإسلاميون تحليلهم السياسي على منطق مشوه، فصل الدين عن تمتلاته الحقيقية لدى الشعوب، التي تؤمن بالدين بمنطق الإصلاح والتطور والارتقاء الدنيوي، بمعنى أن الاختيار السياسي للشعوب المبني على الدين يهدف بالأساس إلى تحقيق العدالة الدنيوية وخلق شروط الحياة الكريمة والرفاهية الاجتماعية قبل أي شيء، فالدين بالنسبة للشعوب، صحيح أنه علاقة عبادة ولكنه في نفس الوقت أداة ونمط لخلق شروط التدبير النزيه والشفاف، الذي يحقق التطور والمساواة ويغير الظروف المجتمعية الصعبة ويحقق التنمية.

وصول الإسلاميين للحكم ، لم يكن بناء على مشروع سياسي واضح ومتناسق ، فيه أهداف تنموية وبرامج للتطور والرقي وبدائل للإصلاح والبناء المؤسساتي والاجتماعي والاقتصادي، بل كان انطلاقا من برنامج تهييجي اعتمد على الدين في شقه العقائدي، معتقدين أن اشباع الفراغ الروحي داخل المجتمع سيكون كفيلا بالسيطرة والهيمنة السياسية .

صدمة الإسلاميين وهم داخل الحكم، لم تكن تتجسد في تعامل الشعوب معهم، بل كانت في اكتشافهم لمدى عمق التطور والتغيير الذي طال الشعوب، التي لم تعد بديهيات الجوع و الصبر من أجل الدين تجدي معهم نفعا، فهم اليوم أصبحوا يعون بشكل كبير معنى الدين، وأن الحكم السياسي يجب أن يبنى على تحقيق متطلباتهم وطموحاتهم ويغير من واقعهم الاجتماعي والاقتصادي .

هذا الإدراك الذي توصل إليه الإسلاميون، حطم حتى بعض معتقداتهم وتوابثهم السياسية، خاصة أن الفشل الذي عاشوه لم يكن فشلا عقائديا، بل كان فشلا سياسيا ذريعا، وعدم الفشل العقائدي لا يعني انهم كانوا ناجحين دينيا، بل كانوا ناجحين فقط فيما يتعلق بإخلاصهم لتصورات وتفسيرات وتأويلات دينية ماضوية اسقطوها على واقع مستقبلي مغاير، فأدت إلى فشل سياسي ذريع.

المشروع السياسي المبني على الخطاب الديني مآله لن يكون إلا الفشل، فما يعيشه العالم اليوم من متغيرات وتحولات عميقة طالت كل أنساق الحياة، لم يعد ممكننا معها اليوم الإرتهان إلى بديهيات وتأويلات ماضوية، وإلى غياب لأنساق وتصورات مادية للتطور الاجتماعي والاقتصادي، فتجربة صعود الإسلاميين للحكم، أثبتت بالملموس أن الخطاب الديني لدى الشعوب ما هو إلا عامل تهيييج سرعان ما يزول أثره في غياب التدبير العقلاني والتطور والإصلاح المادي للمجتمع والدولة.

سقوط الإسلاميين بذلك الشكل الدراماتيكي الذي شاهدناه، لم يكن بسبب التضييق أو الاستهداف الذي حاول البعض الترويج له، بل كان بسبب الإنسداد السياسي الذي عانى منه الإسلاميون في غياب تام لتصورات مادية وعقلانية للتدبير و لتحريك عجلة الإصلاح و التطور المجتمعي الذي راهنت الشعوب لتحقيقه على الجانب الأخلاقي الذي حمله الخطاب الديني للإسلاميين قبل الوصول إلى الحكم .

فشل الإسلاميين ليس فشل سياسي مرحلي ، بل هو فشل عميق طال بشكل كبير صورتهم و مفاهيمهم و خطابهم ، و قدرتهم على الاستمرار في العيش السياسي بالاعتماد على هذا النهج المحطم، الذي كرس لوعي وإدراك متقدم لدى الشعوب، بأن الخطاب السياسي المبني على الدين و إن كان محمل بشحنات أخلاقية كبيرة، فهو غير قادر على تلبية طموحاتهم وتطلعاتهم في الحياة المجتمعية الكريمة وتحقيق التنمية والتطور، لأنه في غياب مشروع سياسي متكامل وواضح المعالم بأهداف واستراتيجيات مادية، سرعان ما يسقط هذا الخطاب الأخلاقي في متاهة الفشل.