الأزمة …. هبة و انبعاث الأمة

أنوار بريس الثلاثاء 12 سبتمبر 2023 - 16:45 l عدد الزيارات : 26310

جواد شفيق 

لا شك بأن للأزمة /الفاجعة مفاعيلها السلبية الرهيبة على الأرواح و الممتلكات و المعمار و النفسيات ، و لا شك بأنها كلما اشتدت إلا و انفرجت “إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا” ، و لكن، لاشك أيضا بأن لها مفاعيل إيجابية عجيبة.
فبقدر الفاجعة كانت الهبة الوطنية الكبرى ، رسمية و شعبية، و تحول الألم إلى طاقة خارقة للوحدة و التضامن و العمل .
لا غرابة … نحن أمة عتيقة ، عريقة جدا تعودت كلما حلت بها فاجعة ، و كثيرة هي في تاريخنا ، أن تتصرف فعلا كأمة ، تتعالى و تتسامى روابطها على كل الروابط الحديثة أو المستحدثة( مؤسسات ، دولة ، وسائط، سلطة ..الخ ) لتلامس بل و تتجاوز عتبة وحدة الروح ، في ألمها و شجنها و هبتها و انبعاثها .
في كتاب المؤرخ الفرنسي الكبير شارل أندري جوليان 1891_1991 “Le Maroc face aux impérialistes 1415 _1956 ” الصادر سنة 1978، كما في الأجزاء الثلاثة من كتاب المؤرخ المغربي الرائد عبد الله العروي “مجمل تاريخ المغرب” الصادر سنة 1984 ، و الذي يستشهد فيه الأستاذ العروي نفسه بعلمية و دقة المؤرخ الفرنسي واصفا إياه بأنه من أحسن و ربما أحسن من كتب عن تاريخ المغرب من المؤرخين الأجانب ، يقف القارئ على الحقيقة العلمية و التاريخية لعراقة أمتنا المغربية.
بالرجوع إلى التاريخ الإسلامي ، نحن ثاني دولة إسلامية استقلت عن الدولة العباسية و أعلنت نفسها دولة سنة 789 ميلادية ، و بذلك فعمرنا الإسلامي يناهز الثلاثة عشرة قرنا .
و أما عمرنا الممتد بعيدا خلف هذا التاريخ فيعود لما قبل الميلاد ، بل و ما قبل التاريخ ، الفينيقيون على سبيل الذكر كانوا هنا كمستعمرين مابين القرن السادس و الثامن قبل الميلاد .و قبلهم و بعدهم كانت هنا أطماع الوندال و الرومان و أطماع إمبراطوريات و قوى أخرى ، كما حلت بنا فواجع و انتكاسات كبرى ، و كان أبناء “مازيغ” ، جدنا الأول على أرض المغرب ( و اسمه يعني من ضمن ما يعنيه الرجل الحر) ، و إخوتهم ممن استعربوا و أسلموا ينصهرون في بعضهم ، إذ امتزجت الدماء و الأرواح و الأنساب و الأعراق مشكلة أمة بكل ما يعنيه و يرمز له معنى الأمة “كمجتمع فوق وطني له تاريخ “.
أمة أعطت للتاريخ دروسا في قدرتها على النهوض بعد كل كبوة / فاجعة سواء أكانت زلزالا أو مجاعة أو وباءا، أو جائحة أو جفافا ، أو حربا و تحرشا واعتداءا .
غير بعيد عن لحظتنا الحزينة الراهنة ، داهمتنا منذ بضع سنين جائحة كورونا ، و لم تكن إمكانياتنا لتسعفنا على حسن و ديمومة المقاومة و النجاح في ذلك …و لكن إرادة الدولة / الأمة انتصرت.
و اليوم ، و قد حل بنا أحد أسوأ أقدارنا ، و نحن نحصي موتانا و جرحانا و أراملنا و أيتامنا و خرابنا ، اليوم و قد تحولت قرى و مداشر إلى مقابر ، اليوم و نحن نمشي على جرحنا … فها هي الأمة التي فينا تنبعث لهزم الأزمة.
مثلما فجع الجميع ، هب الجميع : ملك و شعب ، أشخاص و مؤسسات ، خاصة و عوام ، هنا و هناك ، كل مما عنده ينفق .
لا مجال هنا لسياسة أو إيديولوجية ، ولا لجنس أو سن أو عرق أو لون أو موقع .
لا أولوية غير دفن الموتى ،و إنقاذ و إسعاف الجرحى و الناجين ، و توفير المأوى و الماء و اللباس و الدواء و الغذاء و الرعاية النفسية و الطبية ..
تامغربيت هو عنوان أمتنا المغربية .
أمتنا التي من شدة عراقتها و إشعاعها داخل الجنس البشري منذ أن وجد ، تألم لألمها و بكى لبكاءها الأصدقاء و الأشقاء، و دعى و صلى من أجلها المؤمنون من كل الديانات في كل البقاع و القارات.
أمة لا بد أنها ستنتصر ، بهبتها و دعم الإنسيين humanistes الصادقين من المحبين و المتعاطفين ، و ليس السياسويين المكيافيليين.
أمة ستنتصر خصوصا بسيادتها ….و عزتها و كرامتها لأنه ” تموت الحرة و لا ترضع من ثديها “.
فاس في 11 شتنبر 2023

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image