إدارة النشر
الجمعة 3 نوفمبر 2023 - 00:10 l عدد الزيارات : 19899
عبد السلام المساوي
كثيرا ما يجد المرء نفسه، وهو في معرض تقديم رؤيته وتصوره لأزمة من الأزمات السياسية، أمام من يبادره بالسؤال حول مدى تفاؤله أو تشاؤمه تجاه مستقبل أو واقع حل تلك الأزمة. وهو سؤال غير دقيق، على ما يبدو، لأنه ينقل المحلل السياسي، من التعامل مع معطيات الأزمة الموضوعية ومحاولة التعرف على رهاناتها الضمنية أو المعلنة بالنسبة لمختلف أطرافها بغاية استشراف مستقبلها من حيث الحل أو من حيث التعقيد والتفاقم، إلى مجال الحالة النفسية لمن يقوم بهذا التحليل، في مرحلة ما من مراحل مقاربته للأزمة. مع العلم أنها حالة لا تغير شيئا، ولا يمكن أن تغيره في أي وقت من الأوقات على مستوى معطيات الأزمة ورهاناتها المختلفة، باعتبارها مستقلة تماماً عن رغبات المحلل السياسي. ويبدو أن إخراج أي أزمة من ارضيتها الموضوعية وربطها بعوامل نفسية ما، لا يجانب الصواب في الرؤية إليها فحسب، وإنما يساهم، أيضا وأساسا، في إبعاد المهتمين بها عن الطريق الوحيدة القادرة على معالجتها بشكل فعال، وهي النظرة إليها بما هي أزمة سياسية لا علاقة لها بالنوازع الشخصية والأهواء التي تكون لدى هذا الطرف أو ذاك تجاهها، وخاصة إذا كان هذا الطرف يتموقع خارج حلبة الأزمة كما هو شأن أي محلل سياسي أو ما هو مفترض فيه على أقل تقدير. صحيح أن العوامل العاطفية والنفسية قد تلعب أدوارا غير قابلة للتجاهل في كل عمل تعبوي وتجييشي للمؤيدين والأنصار لدفعهم إلى الانخراط بمزيد من القوة والثبات في أتون الأزمة، لتقوية حظوظ كل طرف في كسب رهاناتها، بقدر ما يتوفر له من عناصر القوة والتأثير في مجريات أحداث الأزمة، خاصة في مراحلها المفصلية، غير أن هذا يندرج ضمن إطار آخر تماما ولا علاقة له بمدى جرعة تفاؤل لدى هذا الطرف أو جرعة تشاؤم لدى الطرف الآخر. من هنا، فإن السؤال الحقيقي تجاه كل أزمة، ومحاولة تحليلها، ينبغي أن يتمحور بالأساس حول طبيعتها وأسبابها الموضوعية والسياسية، وحول توافق أو عدم توافق هذا التحليل أو تلك المقاربة مع ما هو جوهري من تلك الأسباب، ومدى امتلاك أدوات مقاربتها، وبلورة حلول ممكنة لها، ضمن شروط الصراع الحقيقية وموازين القوة الفعلية بين أطرافها المباشرةأو غير المباشرة، في ضوء تصور محدد لتبادل المصالح بين فرقاء الأزمة، عندما يتم التوصل إلى حل يراه الجميع محققا لما هو جوهري من حقوقه أو مطالب يرى أنها من صميم تلك الحقوق. غير أن هناك حالات تصبح فيها الأزمة عبئا لا يطاق بالنسبة لأطرافها جميعهم أو لأطرافها الأكثر تأثيرا في مجرياتها بحيث يستحيل عليها مواصلة العمل على تغذيتها ماديا وسياسيا بما يزيد من تفاقمها ويطيل من عمرها إدراكا منها أن الأزمة لم تعد مثمرة على صعيد تحقيق مصالحها الأساسية وإنما تحولت على العكس من ذلك إلى مصدر خطر حقيقي عليها ما لم تتم المبادرة إلى محاصرتها والعمل على إنهائها بما يحد من تلك المخاطر. وبهذا المعنى، يمكن التأكيد على أن الأزمة قد تتغير مظاهرها وبعض ابعادها مع مرور الزمن ينبغي للمقاربة المعتمدة في التعامل معها ان تظل ضمن مجال رؤيتها لمواكبتها ورصد التغيرات الممكن ان تحدثها على صعيد مفردات الأزمة وقابليتها او عدم قابليتها للحل على هذا المدى او ذاك. ذلك ان منطق التطور الخاص للنزاعات السياسية والمسلحة لا يخضع دائماً وأبدا لإرادة المبادرين الى تحريكها وانما يقوم على قواعد تحدثها تطورات الصراعات السياسية والميدانية مع مرور الوقت بحيث تصبح هذه الاخيرة هي التي تملي على مختلف الأطراف كيفية التعامل مع تلك التطورات وغالبا ما يكون ذلك بخلاف المنطق الذي تحكم فيها عند انخراطها في الصراع وفق تصور ليس بالضرورة متوافقا مع التصورات التي تمليها عليها محددات ميادين الصراع والمواجهة. وعلى أساس هذا التصور في النظر الى الأزمات والصراعات السياسية والميدانية فقط يمكن فهم مدى التباين في مساراتها والتنوع في نتائجها بالشكل الذي رأيناه في مصر وليبيا وسورية واليمن والعراق بأحد المعاني. اي ان حسابات الحقل. في المجالات السياسية والعسكرية. لا تتطابق دائماً مع حسابات البيدر. وهذا ما يفرض ضرورة الالتزام، ما أمكن، بالتحليل الموضوعي للواقع ومعطياته خارج سيطرة رغبات لا تنفع بالتأكيد بل وستكون ضارة أيضاً.
تعليقات
0