المخرج المسرحي عمر جدلي “ما حدث للمسرح المغربي خلال هذه السنة الأخيرة قد أبان عن أعطاب كثيرة لم تكن غائبة عنا”

محمد المنتصر الأحد 16 يناير 2022 - 11:15 l عدد الزيارات : 19573

تنقضي سنة أخرى من حياة المسرح المغربي تاركة وراءها نفس انتظارات المسرحيين التي ظلت معطلة لعقود من الزمن، والتي لا تتعدى سقف تنظيم مهنة شريفة تضمن الحياة الكريمة وانتظام العمل في سوق للشغل ينضبط للمواثيق الوطنية والدولية في شروطها البسيطة ( عقد الشغل – الحد الأدنى للأجور – الحماية الاجتماعية )، وعلى غرار سابقاتها مرت سنة 2021 مرور الكرام على قانون الفنان المغربي دون أن تستطيع لتفعيله سبيلا، لكن هذه السنة التي اتسمت بالجائحة مرت ثقيلة على الفنانين المغاربة عموما وفناني المسرح على وجه الخصوص، سنة بدون شغل وبدون مسرح وبقاعات مغلقة لمدة عشرة أشهر، فباستثناء شهري نونبر ودجنبر اللذين استطاعت فيهما بعض الفرق المسرحية تنظيم عروض هنا وهناك بدعم من مسرح محمد الخامس، مشكورا، ظل الفراغ والبوار شعار السنة.

لقد وجدت الفرق المسرحية نفسها في مأزق كبير حيث لا مجال آخر لاشتغالها غير المسرح، ومادام المسرح مرتبطا بدعم الدولة الذي توقف لسنتي 2020 و 2021، وبفضاءات استقبال العروض التي طالها الإغلاق دون توفير بدائل، باستثناء الدعم الاستثنائي سنة 2020 الذي عرف تقديم ما يشبه العروض أمام كراسي فارغة، فقد وجدت جميع الفرق نفسها في عطالة كاملة بدون أية حماية اجتماعية لأعضائها الذين يعيشون من الأعمال المسرحية ولا يشتغلون في الدراما التلفزيونية والسينمائية لأسباب يضيق المجال لشرحها، كما وجدت نفسها عاجزة عن تدبير الأزمة في غياب بدائل، مادام نشاطها مرتبطا بالجمهور.

إلا أن هناك بعض الفرق المعدودة على رؤوس الأصابع أحسنت اغتنام فرصة الإغلاق وعكفت على إنتاج أعمالها الجديدة بشراكة مع مسرح محمد الخامس و خلقت بالتالي فرصا للشغل أمام أعضائها، لكن هذه الإمكانية لم تكن متاحة أمام جميع الفرق التي ظلت ولا زالت تنتظر انفراج الجائحة، حتى تعود لتشتغل من جديد.

أمام كل هذه الأزمات والمشاكل لا يمكننا أن نتحدث عن حصيلة حقيقية، بل عن حصلة ” ورطة ” حقيقية، ومعذرة عن هذا المصطلح، لأن ما حدث للمسرح المغربي خلال هذه السنة الأخيرة على الخصوص قد أبان عن أعطاب كثيرة لم تكن غائبة عنا، لكن عجلة الحياة المسرحية، التي كانت تدور، جعلتنا لم نعرها الاهتمام اللازم وجعلت الجهات الوصية تغض الطرف وتقضي الحاجة بتركها، وأول هذه الأعطاب هو ارتباط المسرح بالدولة ارتباطا وثيقا بواسطة الدعم المسرحي، حتى أصبح وجود الفرقة نفسها مرتبطا بهذا الدعم، إن قام قامت وإن لم يقم انمحت وسكنت، وها قد وصلنا اليوم إلى ماكان ينادي به بعض المسرحيين الرواد عند ظهور نظام الدعم المسرحي ألا وهو الاستثمار في سياسة لجعل المسرح خدمة مؤدى عنها وتشجيع المواطنين على ارتياد المسارح وتكريس تقليد التذاكر بدل الدعوات التي تبخس المسرح حقه، من جهة، ودعم انخراط الإعلام العمومي في هذه السياسة عن طريق الوصلات الدعائية كما كان معمولا به في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، من جهة أخرى.

أما ثاني هذه الأعطاب، فهو يرتبط بقانون الفنان والمهن الفنية الذي لم يستطع منذ سنة 2003 إلى الآن، أن يوفر الحد الأدنى من حقوق الفنانين ألا وهو الحماية الاجتماعية، التي تضمن التعويض عن فقدان الشغل، وثالث هذه الأعطاب غياب نظام تكافلي اجتماعي بين الفنانين، فلا مؤسسة للرعاية الاجتماعية ولا تنظيمات مهنية قادرة على جمع شتات المسرحيين وتوحيد كلمتهم في وجه الانتهازية والاعتباطية ولوبيات الإنتاج التلفزيوني، ورابع هذه الأعطاب انحصار النشاط المسرحي في سياق الفرجة دون انفتاحه على سياقات أخرى كالتربية الفنية والجمالية الذي يمكن المسرحيين من فرص اشتغال أخرى داخل فضاء مؤسسات التربية والتكوين العمومية والخاصة، وسياق المسرح الموضوعاتي الذي يفتح آفاق أخرى نحو مؤسسات الدولة والقطاع الخصوصي لاستثمار المسرح في التحسيس والتوعية والاستشهار والتكوين وإعادة التكوين ” théâtre forum ” نموذجا، وخامس هذه الأعطاب القطيعة بين المسرح والتلفزيون الذي كان بإمكانه أن يكون متنفسا حيويا لإنعاش المسرح المغربي في زمن الجائحة، فبسبب عدم وجود أية روابط مهنية ومؤسساتية بين تنظيمات المسرحيين المهنية، والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وشركة صورياد  2M، وجد المسرح المغربي نفسه خارج الدائرة، ففي الوقت الذي تنتج وتصور فيه عشرات الأفلام والمسلسلات والسيتكومات والكابسولات، لم تُقْدِمْ القناتين الأولى والثانية على إنتاج أو تصوير أي عمل مسرحي خلال السنتين الأخيرتين، حيث كان علينا انتظار الاستحقاقات الأخيرة، وتعيين السيد وزير الثقافة الجديد الذي جاء، مشكورا، بمبادرة المسرح يتحرك ومشروع تصوير وبث 60 عمل مسرحي خلال شهر فبراير 2022. ولن تتوقف الأعطاب إن نحن أصررنا، كمهنيين، على صمتنا وركوننا إلى سياسة  الأمر الواقع المفروضة في غياب أصوات حية تنادي بصحوة المسرح المغربي، لأن الذبحة الحقيقية هي فينا وليست في مسرحنا.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image