الإصْلَاح ومقدِّماته

محمد المنتصر الأحد 30 يناير 2022 - 14:33 l عدد الزيارات : 18760

بقلم ذ. محمّد زكّاري

يُتَداولُ مفهُوم “الإصلاح” – في اللُّغة العربيَّة – أكثر من غيره من المفاهيم، ولربَّما فاق بريقهُ فيها ما عاداه كالحريَّة، والديمقراطية، والإنصاف، والعدالة الاجتماعيَّة. ترجعُ الرغبَةُ في الإصلاح، إلى فهمٍ تكوَّن لدى الإنسان العربي المعاصر، عن واقعه، ومصيره؛ حيثُ لا يكادُ أن يتجاوز معضلةً حتى تواجههُ أخرى، وهو في حاله تلك غير قادر على الحراك، فتتساوى عندهُ مستوياتُ الإصلاح، ويصيرُ “إصلاحُ النفس” عينهُ إصلاحاً للمجتمع، والاقتصادِ، والسياسية. لم يحملِ الإصلاحُ في معناه التداولي العربيّ معنى التَّغيير الجذري الذي يهدفُ إلى اقتلاع مكامن الخللِ، بقدر ما كان الهدفُ منه “التقويم“، وفي أفضل الأحوال استبدال الأجزاء المعطوبة داخل آلة باليَة.

ليس الاصلاحُ رغبةً متمخِّضةً عن ترفٍ لدى المجتمعات العربية، ولا هو بالفضلة التي تزيدُ عن حاجته، وإنَّما والحالُ هذه أضحى من المسائل التي لا غنى عنها. لكنَّ “الإصلاح” لا يصيرُ فعلاً واقعيًّا إلا متى حرَّكتهُ إرادةٌ مجتمعيَّةٌ، يشاركُ فيها الفاعلون السياسيّون بالقدر نفسه الذي يشاركُ به أفرادُ الشعب، متجاوزين الوضع الصوريّ الذي أنتجته “الديمقراطيَّات المعطوبة”. وبه تصيرُ العمليَّة الإصلاحيَّة جزءاً من مشروعٍ، شاملٍ، هدفُهُ الوحيدُ هو النهوضُ بالمجتمع من دواليب التَّخلُّف والبحث عن سبُل التَّقدُّم، ومن أجلِ تحقيقِ تلك الغاية، كان لزاماً البحثُ عن الأسبابِ الذاتية للتَّقدُّم، وهي – في الغالب – أسبابٌ ذاتيَّة؛ فبالقدر نفسه الذي تكونُ به الأسبابُ الذاتيَّةُ عاملاً من عواملِ التَّخلُّف، فإنَّ فيها ما يتيحُ إمكانيات التَّقدُّم وسبل الإصلاح.

ما من نموذجٍ يمكنُ اتِّخاذهُ معياراً في الإصلاح، حتَّى وإن كان رائداً في الوقت الرَّاهن؛ لإنَّ شروط الإصلاح ينبغي أن تستنبت داخل المجتمع الذي يعنيه التَّغيير، وإن طُبِّقت عليه نماذجُ برَّانيَّةٌ فإنَّها ستقابلُ بالرَّفض، وإنْ قبلت، فإنَّ قبولها ظاهريٌّ لا يغيِّر من الجوهر شيئاً. تبيئةُ المضامين الإصلاحية، إذن، ضرورةٌ لا محيد عنها حتى وإن بدى لنا المجتمع مُتَهيِّئاً لقبولها. ما تخوضُه المجتمعات العربيَّة، اليوم، من تخبُّطاتٍ في المسألة الإصلاحيَّة مردُّه إلى عدمِ الحسمِ في مقولات الإصلاح ونماذجه؛ حيثُ استبدلت تلك المجتمعاتُ أطراً مؤسساتيةً تقليدية، بأطر مؤسساتية عصرانية، من دون أن تُتجاوزَ المُعضلاتُ الكبرى التي تواجهُ العربَ منذ مراحل ما بعد الاستعمار، وعلى رأسها، الوحدة، والتخلف، والحرب، والنزوح، والطائفية. إلخ.

تجاوز المسألة الإصلاحية نحو أفق التَّحديث، مصادرةٌ على المطلوب؛ حيثُ تطلبُ النتائجُ من دون مقدِّمات، ولكن أيُّ إصلاح هذا الذي ينبغي التفكيرُ فيه، أو التفكير من خلاله؟ لا بدَّ أن يطلب الإصلاحُ في مستوياتٍ؛ أوَّلها، وجوديٌّ محضٌ يرتبطُ بإدراكِ الفرد العربي لانتمائه التاريخي والهوياتي الممتدِّ، وتجاوزُ مجملِ الصراعات التي تُدخلهُ في نفق أيديولوجيٍّ ضيق؛ فالمتأمِّل في حال العرب اليومُ سيجدُ أنَّهم يملكون مقوماتِ الوحدة الوجودية والثقافية التي لم تكن متوفرةً لدى نظرائهم الأوروبيين حين فكّروا في إنشاء اتحادهم؛ وثانيها، معرفيّ تقاني، ألا ترى معي أنَّ النهضة الصناعية التي حدثت في مصر الحديثة، كان مردُّها إلى دافع معرفي وإقبال على تطوير التقنيات، وكذلك هو الشأن بالنسبة إلى اليابان، وغيرها من الدُّول الآسيوية، وعليه فلا وجود لإصلاح حقيقي من غير معرفة؛ وثالثها، استشرافيّ، يدفعُ بتلك المجتمعات الساعية إلى الإصلاح إلى وضع خطط استراتيجية تمكنها من توقع المستقبل والعمل على بنائه.

كان الإصلاحُ، وما يزال، مطلباً رئيساً، منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولكن توقَّفت عجلتهُ – في العالم العربي – نتاجاً لمتغيرات سياسية عاشتها المنطقة، ولا تزال، لكن ألا يزال بإمكان العرب اليوم استنهاض الهمم من أجل خوض غمار التجربة الإصلاحية؟ هل من الممكن التفكير في أفق جديد للتجربة السياسية؟ هل مطلب الدَّولة الحديثة يمكن استدماجه ضمن منظور الإصلاح؟ كيف يمكن أن يكون الإصلاح مقدّمة لنهضة حقيقية في الوطن العربي؟ هل بوسع الإصلاح أن يكون ممهداً لرؤية وحدويَّةٍ قوامها التغيير نحو الأفضل؟

تلك الأسئلة هي بمثابة إحراجات تضعُ نفسها أمام، المواطن العربي، بوصفه إنساناً له تاريخٌ حافل بالإنجازات، وله ما يؤهله لكي ينهض في وجه التحدِّيات الدّاخلية، والخارجية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image