عبدالكريم جلال ينال الدكتوراه في موضوع مخطوط من رحم التصوف بنطاق تادلا والزاوية الشرقاوية

أحمد بيضي السبت 5 مارس 2022 - 00:25 l عدد الزيارات : 55318
  • أحمد بيضي
ناقش الأستاذ الباحث، عبد الكريم جلال، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، يوم السبت 26 فبراير 2022، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في موضوع: تحقيق ودراسة مخطوط: “يتيمة العقود الوسطى في مناقب الشيخ عبد الله سيدي محمد المعطى”، لصاحبه سيدي محمد بن عبد الكريم العبدوني، بحضور لجنة من أساتذة جامعيين وباحثين ومتخصصين في التاريخ الجهوي والتراث المحلي، حيث جرى تتويج المناقشة بإعلان اللجنة عن تنويهها بالعمل المنجز ومنح صاحبه شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا مع التوصية بالنشر
وارتباطا بالموضوع، أبرز عبدالكريم جلال دواعي اشتغاله في بحث الدكتوراه على تحقيق واحد من هذه الكنوز التراثية الفكرية وهو مخطوط: “يتيمة العقود الوسطى في مناقب الشيخ أبي عبد الله سيدي محمد المعطى” لصاحبه سيدي عبد الكريم العبدوني، أحد أعلام ورجالات التصوف بالقطر التادلي، خلال القرن 12ه/ 18م”، ومُؤَلَّفَه “يعتبر من أهم ما كُتِبَ عن مجال أبي الجعد والزاوية الشرقاوية ورجالاتها وشيوخها وعلمائها وفقهائها وصلحائها، ولا يكاد يخلو أي مصدر أو مرجع تناول تادلا عامة، أبي الجعد خاصة، من عدم حَمْلِ اسمه.
وزاد جلال مؤكدا أن اشتغاله على هذا العمل سببه أن المخطوط “لم يتم تخريجه من قبل، ولم يحظ بأي التفاتة أو عناية علمية، وأي اهتمام من طرف الباحثين والمهتمين، باستثناء محاولة وحيدة/ يتيمة تم تخريجها وطبعها، وما زالت تحتاج إلى المراجعة لعدة اعتبارات يطول ذكرها”، لهذا كان وجد جلال نفسه أمام خيار “القيام بتحقيق هذا المخطوط وإخراجه للوجود وفق قواعد التحقيق العلمي الأكاديمي”، وبالتالي “دراسته ونشره وتوظيفه والاستفادة منه، خدمة للعلم والعلماء”.
وأوضح جلال أن اختياره المخطوط جاء لكونه من أبناء جهة بني ملال خنيفرة، وبالضبط بمنطقة أبي الجعد حيث “عاش بين أحضان هذه المدينة الروحية التراثية، وخَبِر دُرُوبَهَا وشَرِب من مياه  آبارها، وتتلمذ على يد معلميها، وتأثر بشيوخها وأوليائها وصلحائها، وتشبّع بثقافة وعادات وتقاليد وطقوس ساكنتها، التي كانت ولازالت تُبَجِّل أولياء المدينة المنتشرة أضرحتهم في كل مكان من دروبها وأزقتها، وتضم أكثر من 45 ضريحا”،  من هنا انساق صاحب الأطروحة مع البحث في كل ما له علاقة بالزاوية الشرقاوية ورجالها وشيوخها وكراماتهم.
وفات لجلال أن دشن طريقه للدكتوراه بإعداد بحث لنيل شهادة الماستر حول موضوع: “المقدس بأبي الجعد، بحث ودراسة في المعتقدات والتمثلات الشعبية”، تم الاعتماد فيه بشكل كبير على مخطوط: “يتيمة العقود الوسطى”، و”نظرا لصعوبة قراءته أمضى جلال مدة ليست باليسيرة في البحث والتنقيب والدراسة والتقصي والجهد لفهم محتواه، آنذاك بدأت تراوده فكرة تحقيق هذا المخطوط بطريقة علمية أكاديمية، ومن أجل المضي في بناء هذا الطموح العلمي، وقع الاختيار على تحقيقه ودراسته لإتمام مشروعه العلمي الأكاديمي.
أما الدوافع الموضوعية فانطلقت من أهمية هذا المخطوط، حسب قول جلال، و”نظرا للمعلومات القَيِّمة التي يتضمنها حول الزاوية وشيوخها، بدءً من مؤسسها أبو عبيد الله الشرقي إلى حفيده الولي الصالح أبو عبد الله سيدي محمد المعطى”، وكذا “نظرا لقيمته العلمية والتاريخية”، حيث حرص جلال على “الاهتمام بتحقيقه وإخراجه إلى القراء في حلة أفضل من تلك المتواجد عليها”، ليكون مصدرا للباحثين والمهتمين بمدينة أبي الجعد والزاوية الشرقاوية وتاريخ التصوف في مغرب القرن 11ه/17م و12ه/ 18م.
ولم يفت عبدالكريم جلال تقديم العمل بالتطرق أساسا إلى “أهمية البحث في التراث الجهوي بصفة خاصة، وإلى التراث الفكري بصفة عامة، والمتمثل في المخطوطات، ثم إلى دوافع اختيار الموضوع الذاتية والموضوعية، مع الإشارة إلى أهمية الموضوع وأهدافه، والمنهج المتبع في التحقيق والعُدّة المصدرية التي تم اعتمادها في التخريج والتحقيق والدراسة، ثم خطة البحث وكذا الصعوبات التي تمت مواجهتها أثناء إنجاز هذا العمل”، قبل تخصيص الفصل الأول للحديث عن مجال أبي الجعد وتاريخ الزاوية الشرقاوية.
ومن خلال المباحث قام جلال ب “تحديد موقع أبي الجعد ودلالاته اللغوية والتاريخية، وظروف تأسيس الزاوية الشرقاوية، وأهم شيوخها، بداية من مؤسسها سيدي مَحمد الشرقي إلى الشيخ أبي عبد الله سيدي محمد المعطى بن صالح المترجم له في “اليتيمة”، مع “سرد التراث الفكري للزاوية الشرقاوية، للتعريف بأهم الكنوز المنقبية التي خرجت من رحمها”، فضلا عن “وضع مبحث خاص بالإطار المفاهيمي تناول فيه مجموعة من التعريفات الخاصة بمفهوم المناقب والزوايا والتصوف والكرامات.
وفي الفصل الثاني قام جلال ضمنه بالحديث عن “حياة المؤلف سيدي عبد الكريم العبدوني، مؤلّف “يتيمة العقود الوسطى”، وأهم شيوخه وتلاميذه، وظروف وفاته ومكان تواجد قبره، وآثاره ومكانته العلمية”، علاوة على تضمين المبحث الموالي ل “أقوال العلماء في المؤلِّف”، فيما تناول في الفصل الثالث دراسة كتاب العبدوني: “يتيمة العقود الوسطى”، مع استعراض خصوصيات الكتاب ومميزاته من أسلوب ومنهج ومرادفات ومصطلحات صوفية وكلمات عامية وكنية.
وعرج عبدالكريم جلال، في عمله أيضا، على الفصل الرابع الذي يحمل عنوان: مصادر الكتاب ومميزاته، والمتكون من ثلاثة مباحث، بدء من الحديث عن المصادر التي اعتمدها العبدوني في الكتاب، سواء المباشرة أو غير المباشرة، قبل التطرق لبعض ما يميز الكتاب عن باقي مخطوطات الزاوية الشرقاوية، والمشاكل التي يطرحها المتن، ومحاولات نشر الكتاب، ومضمونه ووصف النسخ التي تم العثور عليها، وأهم الرموز المعتمدة في الدراسة كاختصارات لبعض الأسماء والجمل”، دون أن يفوت جلال إبراز الصعوبات التي واجهها أثناء إنجاز العمل.
وقد تكونت لجنة مناقشة الأطروحة من د. محمد العاملي، د. ابراهيم إمونن، د.الوافي النوحي، د. عبد المجيد بوكاري، ثم دة. سعاد بلحسين التي يعود لها الفضل في الإشراف على العمل المذكور، والتي لم يفت صاحب العمل الاعتراف أمام اللجنة بأن هذه الأستاذة “قد مهدت له الطريق، وضحت بوقتها وجهدها وأصرَّت على تحقيق النجاح، وظلت بجانبه طيلة مدة إنجاز هذا العمل”، وأنها “رغم وعكة صحية ألمت بها، ورغم الألم، فقد كانت تفكر في هذا العمل، وفي إنجاحه، وأصرت على أن مناقشته في وقته وهي طريحة الفراش بالمستشفى”.
ومن خلال تقديمه العمل بطريقة مقتضبة وموجزة، استهل عبدالكريم جلال كلمته انطلاقا مما “عرفته منطقة تادلا بصفة خاصة، والمغرب بصفة عامة، من حركة فكرية لا مثيل لها، خلال العهد السعدي وبداية الدولة العلوية، حتى باتت قِبْلة للعلماء والفقهاء والمتصوفة، واحتل مجال تادلا نصيب الأسد في استقطاب هؤلاء الأولياء والصلحاء والمتصوفة”، مستشهدا في ذلك بما قاله العبدوني في اليتيمة: “إن أكثَرَ بِلادِ اللهِ أوْليَّاءً تادلة في الغَالب. وأنّ الأوْلياءَ يَفرُّونَ إليهَا مِنْ أَوطَانِهِمْ، كَما تَفِرُّ الإبِلُ لِبَلَدِ الرَّعْيِ”.
ولم يفت جلال إبراز مدى “مشاركة الأولياء الساكنة حياتها الاجتماعية والثقافية، وصنعوا المعرفة وتركوا لنا كمّا هائلا من التراث الفكري المتمثل في المخطوطات، والذي تناول شتى حقول العلم والمعرفة الإنسانية، إلا أنه بقي حبيس رفوف الخزانات الخاصة والعامة، ومنه من تعرض للتلف ومنه من فُقد، إما بسبب اجتياح جيوش السلطان للمنطقة، كما حدث مع الزاوية الشرقاوية خلال عهد سيدي محمد بن عبد الله سنة 1199ه/ 1785م ، أو بسبب الفتن الداخلية أو الإهمال وعدم العناية به”.
ومع ذلك، يضيف جلال، فقد “سَلِمَت العديد من المخطوطات الخاصة بالزاوية الشرقاوية والتي تعتبر كنوزا تراثية، لما تحمل في طياتها من معلومات عدة، يمكن أن تفيد البحث العلمي وتفتح للباحثين آفاقا خصبة للعلم والمعرفة”، ليكون عمله مساهمة منه في “صناعة هذه المعرفة الإنسانية وترسيخ قيم إحياء التراث وتعميق البحث في قضاياه، باعتباره ذاكرة وهوية”، فضلا عن إيمانه ب “أنه من لا يستطيع أن يَعْرفَ تُراثَه، لا يستطيع أن يَعي حاضره وذاكرتَه”، مع “اعتبار الماضي هو أساس الحاضر”.
وبناء عليه، أكد عبدالكريم جلال، أمام لجنة المناقشة، أنه “عمل على الغوص في مكنون هذا التراث الفكري، ورفع الغشاوة عنه، وسبر خباياه وأغواره، وتصنيفه ودراسته والتعريف به، وتوظيفه في البناء الثقافي والفكري والمعرفي لمعالجة القضايا العالقة في مجتمعنا من خلاله، من خلال  التنقيب في ما خلَّفه أسلافُنا، وبالأخص تلك التي خرجت من رحم نطاق تادلا، باعتبارنا جزءً منها، وباعتبارها منطقة تصوف وفقه وعلم بامتياز ومركزا للأولياء والصلحاء والمتصوفة”.
ذلك، علاوة على كون منطقة تادلا، يضيف جلال، “تزخر بكنوز فكرية تحتوي معلومات ومعطيات تاريخية وظواهر اجتماعية مهمة لم يتم بعد تحقيقها ودراستها لتمكين الباحثين والدارسين الاستفادة منها، وهو ما دفع مختبر تكوين التاريخ والتراث الجهوي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال إلى تشجيع الباحثين لسبر أغوارها الدفينة وتحقيقها في إطار علمي أكاديمي”، وبإيعاز وتوجيه من الدكتورة سعاد بلحسين استيقظت في صاحب العمل “شرارة الشعور بالعِزّة والفَخْر نحو كل ما كتبه أسلافنا عن تادلا الغَرّاء، عِرفانا لأصحابه”.
تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image