برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية لجامعة محمد بن عبدالله، بفاس، ناقش د. محمد عاقل، يوم السبت 19 مارس 2022، أطروحته الفلسفية لنيل شهادة الدكتوراه، والمنجزة تحت إشراف د. يوسف تيبس، في موضوع: “علم الحساب بين المنطق الصوري والمنطق الترنسندنتالي“،وخلال المناقشة، لم يفت عضو اللجنة، الفيلسوف د. عبدالمجيد باعكريم، تصنيف موضوع الأطروحة ضمن “الصناعة الفلسفية الثقيلة”، وقد نال الباحث محمد عاقل، بعد ساعات من المناقشة الجادة، شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا، وفي هذا الصدد اتصلنا بالدكتور محمد عاقل الذي أمدنا مشكورا بملخص هذه الأطروحة.
أحمد بيضي
ملخص الأطروحة:
ارتأينا في صياغة إشكالية أطروحتنا تقسيمها إلى مستويين من منطلق أن موضوعها يتعلق بعلم الحساب في علاقته بالمنطق، حيث تبين لنا أن الشق الأول ينحصر في المنطق الصوري بحكم أن التأسيس المنطقي لعلم الحساب في نهاية القرن التاسع عشر كان صوريا، ذلك أن رواد هذا التأسيس كانوا بصدد البحث عن أساس آمن وصلب لهذا العلم، سواء مع نظرية المجموعات عند كل من ديدكند وكانتور أو مع القوانين الأساسية لعلم الحساب عند فريجه، وبذلك سنكون مع الطابع الصوري للمنطق، ومنه عملنا على صياغة القسم الأول من الإشكالية وفق الصيغة التالية:
ما الدافع وراء اعتبار علم الحساب جزءا من المنطق؟ لماذا تم اللجوء إلى مصادر الفكر الخالص في تأسيس علم الحساب؟ هل يمكن استدعاء علم النفس في هذا التأسيس؟ ما طبيعة القضايا الحسابية؟ هل يمكن تحديد مفهوم العدد؟ وإذا كان ذلك ممكنا فعلى أي أساس؟ هل يمكن لعلاقة التقابل (المماثلة) أن تعطي تحديدا دقيقا لتصور العدد دون اللجوء إلى عد عناصر المجموعة؟
وهل باستطاعة هذه العناصر كذلك تحديد طبيعة المجموعة؟ وعماذا يعبر العدد؟ وأيهما حامل لتصور الآخر، العدد أم المجموعة؟ وهل يمكن تجاوز سؤال الأسبقية (العدد/ المجموعة)؟ وما الفرق بين العدد العاد والعدد الترتيبي؟ وأيهما يأتي قبل الآخر؟ وإلى أي حد قدم التأسيس المنطقي أساسا صلبا لعلم الحساب؟ وهل استطاع التأسيس المنطقي لعلم الحساب أن يتجنب النقائض؟.
قادتنا محاولة الإجابة عن التساؤلات السابقة إلى الوقوف عند النقائض التي انتهى إليها التأسيس الصوري لعلم الحساب، ومنه كان لابد من البحث عن مخرج منطقي وفلسفي، فتبين أن هناك منطقا آخر، وهو ما صاغه هوسرل تحت اسم المنطق الترنسندنتالي، والذي لم يكن طبعا منطقا جديدا من حيث التسمية، بحكم أننا نعرف منذ نقد العقل الخالص أن كانط كان سباقا إلى الحديث عن هذا المنطق، لذلك عملنا في تصدير أطروحتنا على توضيح جسر العبور من كانط إلى هوسرل، ومنه فالشق الثاني من إشكالية بحثنا ليست له علاقة مباشرة بفلسفة كانط، وإنما بالفينومينولوجيا الترنسندنتالية، لذا صغنا أسئلة الجزء الثاني من الإشكالية كما يلي:
هل من مبرر للانتقال من المقاربة الصورية إلى المقاربة الترنسندنتالية؟ وإن كان المبرر موجودا، فهل ينحصر في مشكل النقائض التي انتهت اليها نظرية المجموعات والقوانين الأساسية لعلم الحساب؟ كيف يمكن أن نفهم التأسيس الترنسندنتالي؟ وهل التوضيح هو ما ينقص أطروحة النزعة المنطقية؟ وهل يمكن أن نستنتج ان هوسرل يدعونا الى المقاربة الفريجية مثلا؟ وبخصوص انتقاد المنطق الصوري: هل يمكن القول أن الامر له علاقة بالنزعة الصورية وليس بالنزعة المنطقية؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار الفينومينولوجيا أساسا للعلوم الصورية؟
قمنا بتقسيم أطروحتنا إلى تصدير، وثلاثة أبواب، حيث يتضمن كل باب فصلين وخلاصة، بالإضافة إلى الخاتمة. فكان الغرض من التصدير أو المدخل هو الكشف عن خصوصية وأهمية علم الحساب كموضوع لمجالين مختلفين، الفلسفة والمنطق، ذلك أن المقاربة الفلسفية جعلتنا نعود إلى الفلسفة الكانطية، ومن خلالها عثرنا على خيط ناظم بينها والفينومينولوجيا، بينما وضعتنا المقاربة المنطقية في صلب التطور الذي عرفه المنطق خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
وهكذا، خصصنا الباب الأول من أطروحتنا للتأسيس المنطقي لعلم الحساب، فتناولنا نظرية المجموعات، من منطلق أن المجموعة في تصور روادها (ديدكند وكانتور) تعد حاملا لتصور العدد، وليس العكس. وفي المقابل، ذهبنا مع فريجه إلى الكشف عن ملامح النزعة المنطقية في تأسيسها لعلم الحساب، وذلك باستحضار المبادئ التي يقوم عليها هذا العلم، وكذا الموضوع الذي يتناوله، وبالتالي تحديد العدد اعتمادا على مفهوم الماصدق(extension)، وبذلك اتضح أن المفاهيم الرياضية الأساسية هي مفاهيم منطقية خالصة، ومنه فهمنا لماذا كان يقتضي التوجه المنطقي صورنة علم الحساب، باعتماده اللغة الصورية وليس اللغة الطبيعية.
إن المثير في التأسيس المنطقي لعلم الحساب مع كل من ديدكند وكانتور وفريجه هو تلك النقائض التي قوضت أسس هذا العلم. ففي نظرية المجموعات كما في القوانين الأساسية لعلم الحساب، تواجهنا تلك الوضعية المستحيلة المعروفة بمجموعة كل المجموعات التي لا تنتمي إلى نفسها، أو عند عدم اتساق نظرية الماصدق ومنطق الدرجة الثانية، حيث مجال التصور أكبر قطعا من مجال الماصدق بينما نجد مجال الماصدق أكثر امتدادا بالنسبة لمجال التصور.
أما الباب الثاني، فتطرقنا فيه للنقاش الغني بين فريجه وبين هوسرل حول موضوع علم الحساب وشجبهما معا للنزعة السيكولوجية. كان هوسرل، وبتأثير من كارل. شتومف، واقعا في شراك هذه النزعة عند تأليفه فلسفة علم الحساب، ولكنه تخلى عنها وانتقدها في كتابه مباحث منطقية، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن سبب هذا التحول، هل حصل بتأثير من فريجه نتيجة مراجعته لكتاب فلسفة علم الحساب، أم بعد اكتشافه لعدم قدرة هذه النزعة على أن تكون أساسا للتوضيح الفلسفي؟ أيا يكن التفسير الذي يمكن تبنيه، فإن هوسرل قد سعى إلى تقديم فلسفة ومنهج جديدين قادرين على القيام بذلك، ولن يكون ذلك سوى الفينومينولوجيا.
انفتحنا في الباب الثالث على عمل هوسرل العميق المنطق الصوري والمنطق الترنسندنتالي، الذي نرى أنه لازم من جهة لفهم مستويات الأرضية الصورية التي لم يتم تجاوزها في التأسيس المنطقي لعلم الحساب وفي النقاش الفلسفي- المنطقي بين فريجه وهوسرل وتصور حدودها من جهة ثانية، ذلك أن إشكالية المنطق الترنسندنتالي عند هوسرل تتمثل في اتخاذ التوضيحات التي جاءت في مهام المنطق كنقطة انطلاق، أو ما يسميه هوسرل ببداية البدايات، ومن ثمة فإن الهدف هو القيام بنقد عميق لهذه التوضيحات، حيث سيشكل كتاب المنطق لحظة الحسم مع النزعة السيكولوجية بشكل نهائي، ومن خلال ذلك سيكشف الفيلسوف عن الدور الأساس للدراسات ” الذاتية”، إذ يمكن للمنطق أن يتأسس على منطق ذاتي ترنسندنتالي.
خلاصات ونتائج:
قادنا التفكير في الأسس المنطقية لعلم الحساب والتساؤل حوله إلى أن مفهوم العدد ساهم في اختلاف التصورات التي حاولت أن تحدده، مثلما أن هذه الأخيرة وقعت في عدم الإتساق الداخلي رغم كل الاحتياطات الصارمة، حيث لم نجد فكرة ثابتة عن العدد عند أقطاب النزعة المنطقية.
ذلك أن الطريقة التي تم توظيفها عند كل من ديدكند وكانتور وفريجه بخصوص العدد الصحيح ليست هي الطريقة ذاتها بصدد العدد الحقيقي مثلا، إذ يمكن القول أن ماهية العدد لم يتم بلوغها من طرف هؤلاء، ومنه تبين أنه كان من الصعب عليهم اقتراح معالجة موحدة أو أرضية مشتركة للتعداد (numération) عموما. وفي المقابل، سنقول بأنهم استطاعوا تدقيق الإجراء الفكري، والذي يقود إلى كل نوع من الأعداد، لكنهم ظلوا بعيدين كل البعد عن «العدد الواحد».
بينما مع هوسرل، خلصنا إلى أن العدد في نظريته حول صور القضايا من نوع «موضوع -محمول» من المستوى الأول في المنطق المحض، ينتج كصورة وليس كالموضوع الذي يحمل عليه شيء ما، لذا فالأعداد والمجموعات تعمل بطريقة مختلفة تمامًا في مجال القضايا عما هي عليه في علم الحساب وفي نظرية المجموعات. فالعدد يشتغل في المستوى الأول بطريقة مغايرة عن علم الحساب في المستوى الثاني.
وبالنسبة إليه، كانت نظرية المجموعات مسألة علمية صارمة، نظرية أولية تنبثق من المفاهيم والبديهيات المنطقية الخالصة، حيث انتهى هوسرل إلى أنه كان هناك تفكير خاطئ حول مفهوم خاطئ للمجموعة، وهو ما أدى إلى مفارقات نظرية المجموعات. لقد دعا هوسرل إلى اعتماد بداية جديدة واشتقاق نظرية المجموعات من مفهوم غير متناقض للمجموعة والعنصر، أو بشكل عام أكثر من الكل والجزء، دون اللجوء إلى بديهية الماصدق التي قال بها فريجه.
إن التناول المنطقي والفلسفي لعلم الحساب أفضى بنا إلى القول بأن التناول الفينومينولوجي لمسألة الأسس، أمر فرض نفسه من باب أن نظرية المجموعات فشلت في ضمان أساس متين لهذا العلم. وانتهينا إلى أن تشييد الفينومينولوجيا الترنسندنتالية جاء موازاة مع الأبحاث ذات الطابع المنطقي- الرياضي حول أسس الرياضيات، وهو الأمر الذي جعلنا نفهم لماذا صار هوسرل يطرح أسئلة ذات طابع رياضي-فوقي(métamathématique)، مثل تحديد التساؤل حول مفهوم النسق الإستنتاجي، والغاية بطبيعة الحال هي معرفة إلى أي حد يمكن أن يمتد نسق ما داخل نسق جديد، والذي يتضمن بدوره جزءا من النسق القديم، أو معرفة كذلك متى يكون مجموع قضايا علم ما ذو صورة بنائية قبلية انطلاقا من عدد محدود من الأكسيومات.
د. محمد عاقل








تعليقات
0