مساجد وجدة ؛ التزاوج بين الوظيفة الدينية والجمالية المعمارية
إدارة النشر
الإثنين 4 أبريل 2022 - 11:10 l عدد الزيارات : 73106
عبد السلام المساوي
كباقي المدن المغربية يقبل الناس في وجدة ، عاصمة الشرق ، على أخذ أماكنهم في المساجد ، واذا كانت مدينة وجدة تشترك مع المدن الأخرى في الكثير من الشعائر والطقوس المكونة للشخصية المغربية المتشبعة بالثقافة الإسلامية ، فإنها تتميز بخصوصية دينية وروحية …أنها مدينة تتوفر على أزيد من 400 مسجد، محتلة بذلك المرتبة الأولى بالمغرب وبإفريقيا من حيث عدد المساجد ، وحسب مصادر من مندوبية وزارة الأوقاف، فإن مدينة وجدة تعتبر الثانية عالميا من حيث المساجد بعد إسطنبول التركية .
هذه الخصوصية جعلت من المدينة فضاء واسعا لممارسة العبادة، فلا يخلو حي أو شارع رئيسي من صوت إمام يرتل القرآن ترتيلا ساعيا إلى جلب أكبر عدد من المصلين وراءه ، حتى أصبحت بعض المساجد توظف الفضاءات العامة لتستقبل كثرة المصلين الذين يحجون إليها طيلة الشهر الفضيل لأداء صلاة التراويح ، طبعا مع استثناء زمن كوفيد…
أئمة مساجد وجدة نخبة من الشباب مكونين تكوينا شرعيا، مكنهم من إمامة المصلين واعتلاء منابر المساجد ، هؤلاء الأائمة الشباب بثقافة ذات مرجعية دينية إسلامية وحمولة علمية وسلوكات مستقيمة ، حلوا محل الائمة الدراويش الذين يحملون القرآن جاهلين معانيه ومغازيه …
يتحدث المتحدثون عن المساجد في وجدة ، عن عددها الكبير الذي أهل عاصمة الشرق لتكون الأولى أفريقيا والثانية عالميا من حيث عدد المساجد ، كما يسجل الجميع الإقبال المكثف للمسلمين والمسلمات ، المؤمنين والمؤمنات ، على ملأ هذه المساجد ، خصوصا عندما يتعلق الأمر بصلاة الجمعة وصلاة التراويح في رمضان …
مدينة وجدة ، إذن ، مدينة المساجد بامتياز ديني واستحقاق روحي …
وإذا كان الجميع في وجدة يتحدث بافتخار واعتزاز عن عدد اامساجد ، وعن امتلائها بالمسلمين المؤمنين ، فإن الجميع يغفل امتيازا آخر لوجدة على مستوى المساجد ، ويتعلق الأمر هنا بالجمالية الراقية التي طبعت بناء هذه المساجد على مستوى الهندسة والمعمار .
إن المساجد بوجدة تزاوج بين الوظيفة الدينية والجمالية المعمارية . وهذا عامل آخر جعلها تجذب أعدادا واسعة من المسلمات والمسلمين الذين يمارسون شعائرهم الدينية في أفضل الشروط والظروف .
تعتبر مساجد وجدة ، أغلبها على الأقل ، خصوصا التي بنيت حديثا ، أو التي أعيد بناؤها ، معالم حضرية وحضارية ، معالم أعادت لوجدة الكثير من جمالية المعمار التي تؤسس لوجدة المدينة ، بل يمكن القول بأن المساجد في وجدة معالم عمرانية استثنائية ، لأنها أولا قطعت مع الفوضى وغياب التخطيط ، وثانيا لأنها التزمت بصرامة مقاييس الجمالية على مستوى الهندسة والتنفيذ ، وثالثا لأنها اعتمدت العمارة العربية الإسلامية نموذجا .
هذه الأسباب وغيرها جعل المساجد بوجدة تعمل على محاصرة القبح وإشاعة الجمال ..وإذا كانت وجدة مدينة تناست فرض الضوابط والأحكام وقوانين التعمير التي تضمن المشهد العام وتحمي التراث وتحافظ على الملك العمومي وتضفي الجمالية على المعمار وتشجع على الابتكار والتجديد والفن …فإن بناء المساجد بوجدة استثناء بجميع المقاييس ؛ لقد روعي في بنائها الحمولة التاريخية الحضارية الثقافية القوية لهذه المدينة الألفية ، كما تم استلهام العمارة العربية الإسلامية وأهمها المساجد .
ومن خلال إطلالة سريعة على العمارة الدينية في الحضارة العربية الإسلامية ، يتبين لنا سر جمالية المساجد بوجدة ؛ إنها آيات في الجمال باعتبار أنها تستلهم في التصميم والتشييد المعالم التاريخية لأعظم المساجد في المجتمعات الإسلامية عبر الصيرورة الزمنية ، كما أنها توظف خصوصيات العمارة المغربية .
ومما يزيد مساجد وجدة تميزا ، كونها تحاشت السقوط في الرتابة والنمطية .
إن جولة عبر مساجد وجدة ، تكشف لنا عن مدى التنوع الجمالي ، فإذا كانت هذه المساجد في أغلبها ملتزمة بثوابت العمارة الدينية فإنها تتمايز من حيث المتغيرات .
إن داخل كل مسجد تقريبا بوجدة يختلف عن مسجد آخر ، بحيث يشعر المصلون الذين يترددون على مختلف مساجد وجدة بوجود تمايزات معمارية بينها ، بحيث يمكن القول إن كل مسجد له من الميزات ما يجعله يتفوق على مسجد آخر .
وإذا كانت وجدة مدينة المساجد بامتياز عددي ، فإنها كذلك بامتياز نوعي …
من هنا نسجل أن وجدة قاطرة المدن المغربية على مستوى المساجد من حيث الكم والكيف معا …بل إن مدينة وجدة ، بجمالية مساجدها استطاعت أن تتجاوز مدن مغربية عريقة كفاس ، الرباط ، مراكش …بل إنها تشكل استثناء لأنها استطاعت أن تجعل من مساجدها منارات راقية وجميلة ، تغطي على فوضى البنايات وقبحها التي تعج بها هذه المدينة الألفية .
إنها بيوت الله وهؤلاء عباد الله.
تعليقات
0