أخيرا، قرر مجلس المنافسة تفعيل المادة 4 من القانون رقم 20.13 التي تخول له تحريك آليات البحث في الأسباب الكامنة وراء ارتفاع أسعار العديد من المواد والسلع التي ألهبت جيوب المواطنين في الآونة الأخيرة، وهي الخطوة التي كانت جريدة «الاتحاد الاشتراكي» سباقة إلى التنبيه إليها، عوض اكتفاء المجلس بإصدار بيانات تحسيسية حول الممارسات المخالفة لقانون المنافسة وحرية الأسعار.
وهكذا سيعمل المجلس، من خلال إنجاز «رأي» في الموضوع بمبادرة ذاتية، على التحقيق المفصل في الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذه الموجة من الغلاء الفاحش التي تضرب القدرة الشرائية للمغاربة منذ عدة أشهر، وذلك من خلال التركيز على 13 مادة تنتمي إلى ثلاث مجموعات رئيسية من المواد الأساسية، وذلك في محاولة للإجابة عن سؤال جوهري: هل تتعلق الأسعار المسجلة في السوق الوطنية، بعوامل خارجية مرتبطة بارتفاع أسعار الموارد الأولية المستوردة؟ أم تعزى إلى عناصر غير مشروعة ومرتبطة بممارسات محظورة بموجب القانون رقم 104.12، على غرار الاتفاقات والاستغلال التعسفي لوضع مهيمن؟ خصوصا و أن العديد من الدراسات الاقتصادية التجريبية التي تم اجراؤها حول هذا الموضوع، ولا سيما التي قامت بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE)، أظهرت أن فترات الأزمات على غرار الأزمة التي نعيشها حاليا، توفر بيئة خصبة لاحتمال ارتكاب الممارسات المنافية لقواعد المنافسة في أسواق المنتجات الرئيسية، إذ قد يلجأ بعض الفاعلين الاقتصاديين إلى استغلال هذا الوضع والزيادة في هوامش الربح الخاصة بهم لأجل مضاعفة أرباحهم.
وبحسب المذكرة المرجعية المتعلقة باتخاذ المبادرة من طرف مجلس المنافسة، فإن مجلس أحمد رحو سيقوم بالتحقيق في مجموعة من القطاعات الرئيسية من بينها المواد الطاقية والمواد الغذائية ومواد البناء، ولن يقتصر التحقيق على الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الحالية فقط، بل سيشمل بالإضافة إلى ذلك، فترة أوسع تغطي التطور السنوي للسنوات الأربع الأخيرة (2018 – 2021)، وهو ما يعني أن رحو سيكون مجبرا على النبش في ملفات حساسة أثارت الكثير من الجدل الذي أعقب تقرير مجلس المنافسة حول سوق المحروقات بالمغرب حين احتكم الفاعلون في هذا القطاع إلى الملك بسبب عدم رضاهم عن خلاصات التقرير، وإنشاء لجنة للتحقيق في الموضوع انتهت بإقالة الرئيس السابق للمجلس.
ويأتي الرأي / التحقيق الذي سيقوم به المجلس في ظرفية خاصة، أي بعد أسابيع قليلة من مصادقة الحكومة على مشروع قانون جديد ينظم مجال حرية الأسعار والمنافسة، وهو المشروع الذي لم يعرض بعد على نواب الأمة، وإن كان مجلس المنافسة قد استبق هذا القانون وضمنه في نظامه الداخلي الجديد قبل اكتسابه الملاءمة التشريعية من طرف البرلمان، وهو ما يطرح علامات استفهام حول مآل هذا التحقيق الذي سينجز في ظل القانون الحالي بينما هو على أبواب قانون جديد؟ وبموجب مشروع القانون رقم 40.21، ستُدخل الحكومة مجموعة من التغيرات على القانون رقم 104.12، تتمثل في تدقيق الجوانب المتعلقة بمسطرة قبول أو عدم قبول مجلس المنافسة للإحالات المتعلقة بالممارسات المنافية للمنافسة، والمساطر المتعلقة بجلسات الاستماع إلى الأطراف المعنية من لدن مصالح التحقيق لدى المجلس.