أحمد بيضي
الجمعة 10 يونيو 2022 - 06:48 l عدد الزيارات : 34251
مريم موصديق (°)
ذكر أفلاطون في الجمهورية (الباب التاسع)، في معرض حديثه عن أسطورة الكهف التي أوردها ليوضح حقيقة الوجود الإنساني، أن الإنسان يشبه سجينا مقيدا بالسلاسل، وضع في كهف وخلفه نار تضيء تعكس ظلالها أشياء على جدار أقيم أمامه. فلا يرى الأشياء حقيقة، بل فقط ظلالها المتحركة التي يظنها حقيقة. ألا يشبه هذا وضع القارئ في النص، وهو يبحث عن المعنى؟، أليس معنى النص هو الآخر مجرد ظلال يتلمسها القارئ وهو يتجول في كهف النص، يتنقل بين الظلال، ولربما صادف المؤلِّف أيضا، على اعتبار النص منذ خرج من يده لم يعد في ملكيته؟.
جميعنا نقرأ مع حبيب بن أوس الطائي (أبو تمام) بيته الشعري:
نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى== ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى == وحنينه أبدا لأول منزل
لكن قراءة عبد الفتاح كيليطو للبيتين الشعريين في كتابه ب “حبر خفي” أعطته دفقا جديدا، ولنا عودة لهذا البيت.
تشبه علاقة المؤلف بالنص إلى حد كبير علاقة أُبُوَّةً مجهضة، فرغم ربط النص بمبدعه الذي أخرجه من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، إلا أن هذا المؤلف/ الأب أُعلن عن موته، “موت المؤلف” مع رولان بارث. فكان في موت المؤلف تحررٌ للنص، يُخيًّلُ إليًّ القارئ منطلقا، فيما يشبه تكفيرا عن قتل المؤلف، صوب النص ليُنتج له معنى ويُعطيه دلالة، ليحتضن معانيه ويتملكها. ومع تطور الرقمية صرنا أمام “موت مزدوج”، فإذا كان موت المؤلف زعزع استقرار النص لدى البعض، وجعل الكاتب المبدع يُضَيِّع مفاتيح ملكيته للنص ولمعناه. فإن انفتاح الكتابة على حوامل جديدة جعل النص يتنقل ويقفز وينفلت في عوالم كائنة وممكنة.
بترجل المؤلف من قطار النص، سيواصل النص رحلته، ومع كل محطة قراءة سيحمل دلالات جديدة، سينطلق في سفر جديد لكشف المسكوت عنه، لقراءة ما كتب بالحبر الخفي على حد تعبير عبد الفتاح كيليطو، تلك الكتابة اللامرئية التي تجعل امتلاء النص فراغا، ليتجدد المعنى وتتسع الدلالة وتنشأ مع كل قراءة، لنترفع عن البحث في اليقين واللايقين، فيغدو معنى النص معلقا في المنزلة بين المنزلتين، بين ما قصده الكاتب في البدء مع النشأة، وبين القراءات التي تتعاوره. إن المعنى يضحي في علاقة بندولية بين القارئ والنص – حسب تعبير منذر عياش في كتابه “الكتابة الثانية فاتحة المتعة“-.
يحلو لأمبرطو إيكو أن يجعل النص آلية كسولة ونسيجا من الفراغات البيضاء، والفرجات التي ينبغي ملؤها- “القارئ في الحكاية” -. وهذا يتيح للنص ما لانهائية من التجدد، ويقطع مع أحادية المعنى. فكأن هنالك درجة صفرا للغة النص تصبح معها دلالات الكلمات المشكلة للنص، والمتعالقة بعضها برقاب بعض مفتوحة للتأويلات ، و إذا ما ارتدت لغة النص مجازا انتقلت بالقارئ لمتاهات رمى فيها الكاتب نصه وانصرف. فتصبح القراءة في درجة الصفر -إن جاز التعبير- كتابة جديدة تنبعث مع كل قارئ ، إنها “القراءة رافعة رأسها” على حد تعبير عبد السلام بعبد العالي، قراءة تستحضر الأفكار والترابطات التي تراود القارئ.
وتتعدى القراءة رفع الرأس لدى البعض لتصبح غير بريئة، لتصير لذة مشاكلة للغواية تتجاوز المتعة. كأن النص يغري القارئ و يُرواده عن نفسه ليقتحمه و يفككه ويتلذذ بما يضمه. إن القراءة لدى البعض من جهة مغايرة تجربة صوفية لا تتأتى -حسب أمينة غصن “قراءات غير بريئة في التلقي والتأويل”– إلا لمن خرج من نفسه جسدا ودخل في نفسه نصا.
عودا على بدء.
بيت حبيب بن أوس الطائي ( أيو تمام)، الذي سبقت الإشارة إليه، و القراءة التي قدمها عبد الفتاح كيليطو في كتابه “بحبر خفي” ص:15 يقول:” الأصل أسطورة. أليس كذلك؟ والأوائل أسطورة الأساطير، لنفكر لحظة ولنتساءل مرة أخرى، أي حبيب أول؟ وإلى أي منزل يومئ أبو تمام وهو يصوغ بيته؟ ألا يشير إلى للابتداء بإطلاق، إلى أول من جمع الحبيب والمنزل، إلى امرئ القيس، صاحب البيت الأول، والمعلقة الأولى، معدن الشعر وأصله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل == بسقط اللوى بين الدخول فحومل“.
تعليقات
0