محمد أمين السملالي
يبدو أن الحكومة قررت دخول مرحلة جديدة من “المونولوج السياسي”، حيث يتولى كل مسؤول تصحيح تصريحات زميله، في مشهد يليق بمسرحية هزلية لا بإدارة الشأن العام.
فبعدما أكد وزير التجهيز والماء نزار بركة ووزير الصناعة والتجارة رياض مزور، في خرجتين إعلاميتين منفصلتين، أن عدد المستفيدين من دعم استيراد الأغنام لم يتجاوز 18 مستوردا، خرج علينا رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لـحزب التجمع الوطني للأحرار، لينسف هذه الأرقام تماما، مؤكدا أن المستفيدين 100 وليسوا 18، وأن الدعم لم يتجاوز 300 مليون درهم بدلا من 1.3 مليار درهم.
الآن، نحن أمام وزيرين يؤكدان رقما ورئيس مجلس نواب ينفيه، وكلا الطرفين ينتمي إلى الحكومة نفسها، بل إلى التحالف ذاته، مما يجعلنا نتساءل:
هل نحن أمام حكومة بوجهين؟
أم أن هناك من يحاول تغطية الشمس بالغربال لحماية المستفيدين الحقيقيين من هذه “الهبة العمومية”؟
و ما السر في الصمت المطبق لحزب الأصالة والمعاصرة؟
الغريب في الأمر ليس فقط في تضارب الأرقام، بل صمت الشريك الثالث في الحكومة، حزب الأصالة والمعاصرة، وكأن الموضوع لا يعنيه، رغم أن الأمر يتعلق بمئات الملايين من المال العام.
قد يكون هذا الصمت جزءا من استراتيجية تجنبه كشف حقائق قد تمس بعض أعضائه، خاصة مع تاريخه الحافل بالفضائح والتحقيقات القضائية و بالتالي فضل النأي بنفسه عن هذه “الحسابات الرقمية” حتى لا يجد نفسه متورطا في تبرير ما لا يبرر.
لائحة المستفيدين: سر من أسرار الدولة؟
إذا كان الدعم قانونيا وشفافا كما يدعون، فلماذا لا يتم نشر لائحة المستفيدين؟
لماذا يطلب من المغاربة تصديق تصريحات متضاربة دون أي وثائق رسمية تدعمها؟
أم أن الكشف عن الأسماء سيكشف لنا وجوها مألوفة اعتادت على الاستفادة من الكعكة باسم “المصلحة الوطنية”؟
الأدهى من ذلك، أن هذا الدعم الذي كان يفترض أن يخفض أسعار اللحوم، أدى إلى نتيجة معاكسة تماما، حيث ارتفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
فهل كان الهدف دعم المواطن أم دعم “الفراقشية” والمضاربين؟
وإذا كان الدعم موجها لاستيراد الأغنام، فهل من تفسير منطقي لكون الأسواق لم تشهد أي تحسن في الأسعار؟ أم أن المستفيدين قرروا الاحتفاظ بهامش الربح لأنفسهم وترك المواطن يواجه لهيب الغلاء لوحده.
الحكومة تسير بمنطق “التصريحات المضادة”
الحكومة الحالية، التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، أصبحت أشبه بـآلة تسجيل معطوبة، كل مسؤول فيها يخرج لينفي أو يعدل تصريحات مسؤول آخر، دون أن يكلف نفسه عناء تقديم دلائل أو أرقام رسمية مدققة. وإذا كان رئيس مجلس النواب، بصفته الحزبية، يكذب تصريحات وزراء من نفس تحالفه، فكيف للمواطن أن يثق في أي رقم يعلن عنه بعد اليوم؟
إعمال التحقيقات القضائية بدل “حملة تصحيح التصريحات”
أمام هذه الفوضى الرقمية، أصبح من الضروري تدخل النيابة العامة لإجراء تحقيق قضائي شفاف يضع حدا لهذا العبث،فمن حق المغاربة أن يعرفوا:
•من هم المستوردون الحقيقيون الذين حصلوا على هذا
الدعم؟
•كيف تم توزيع الأموال؟
•لماذا لم تؤدي هذه العملية إلى خفض الأسعار كما تم وعد المواطنون؟
لكن، بالنظر إلى الطريقة التي تدار بها الأمور، قد يكون الحل الأمثل هو تشكيل “لجنة تصحيح التصريحات الحكومية”، تتكفل بمراجعة كل ما يقوله المسؤولون قبل إعلانه، حتى لا نصل إلى وضع يصبح فيه المواطن عاجزا عن التمييز بين الحقيقة والخيال الحكومي!
في النهاية، سواء كانت الحكومة تتلاعب بالأرقام أو تعاني من انفصام داخلي في المعلومات، فإن الخاسر الوحيد هو المواطن، الذي يدفع الثمن مرتين:
مرة من جيبه، ومرة من أعصابه وهو يحاول فهم ما يجري داخل دهاليز صنع القرار.








تعليقات
0