البرلمان ليس زريبة ولا غابة والكلمة ليست إذنَ عبور
و ما وقع داخل مجلس النواب لم يكن سوء تقدير، ولا لحظة انفعال، ولا حتى “حادث جلسة”. ما وقع كان فعلَ استقواء سياسي مكتمل الأركان، صادرًا عن وزير يفترض فيه أن يكون حارس القانون، فإذا به ينتهكه علنًا، وبالصوت والصورة، دون أدنى إحساس بالمسؤولية أو بقدسية المؤسسة التي يتحدث داخلها.
حين قاطع وزير العدل نائبة برلمانية وخاطبها بمنطق الأمر، لم يكن يخاطب مليكة الزخنيني فقط، بل كان يوجّه رسالة فظة إلى البرلمان برمّته:
أنتم هنا للزينة، لا للمساءلة.
أنتم هنا للتصفيق، لا للكلمة.
أنتم تابعون، ولسنا متساوين وحتى بمنطق من انتم .
في تلك اللحظة، كان من السهل الصمت، وكان من السهل الانكسار، وكان من السهل تحويل الإهانة إلى “سوء تفاهم”. لكن مليكة الزخنيني اختارت الطريق الأصعب: المواجهة السياسية النظيفة.
قالت ببساطة جارحة:
“لستُ موظفة لدى وزير العدل.”
بهذه الجملة، سحبت البساط من تحت منطق التعالي، وأعادت الوزير إلى حجمه الدستوري، وأعادت البرلمان – ولو للحظات – إلى مكانه الطبيعي.
ما قالته لم يكن تحديًا شخصيًا، بل تصحيحًا علنيًا لانحراف سلطوي. وحين سألت:
“ما الفعل الذي أزعجكم؟”
كانت في الحقيقة تسأل باسم المغاربة جميعًا:
من منحكم حق توبيخ ممثلي الأمة؟
ومن أقنعكم أن السلطة التنفيذية فوق المساءلة؟
الفضيحة لم تتوقف عند سلوك الوزير، بل تفاقمت بصمت ما يُسمّى بالأغلبية الحكومية. أغلبية شاهدت الإهانة، وسمعتها، وفهمتها… ثم اختارت الصمت. صمت لا يمكن تبريره بالحياد ولا بالانضباط، لأنه صمت التواطؤ مع إهانة البرلمان.
أغلبية لا تدافع عن المؤسسة التي تنتمي إليها، لا تستحق أن تُسمّى أغلبية سياسية.
أما اعتذار رئيس مجلس النواب، فرغم ضرورته، فقد جاء كاشفًا أكثر مما هو مُطمئن. الاعتراف بعدم التركيز أثناء الجلسة اعتراف خطير، لأنه يؤكد أن البرلمان يُدار بذهنية الاسترخاء، وأن هيبة المؤسسة تُهدر لا بفعل الصدفة، بل بفعل الاستسهال.
لكن الحقيقة الأعمق أن ما جرى ليس معزولًا، بل هو نتيجة طبيعية لما بات يُعرف في الشارع السياسي باسم حكومة اتفرقيش. حكومة لا تحكم، بل تُقسِّم. لا تُدبِّر، بل توزِّع. لا تُحاسَب، بل تُحصِّن نفسها بالقوانين.
في زمن حكومة اتفرقيش:
يتحول التشريع إلى أداة حماية للمصالح.
تتحول الحصانة إلى جدار للهروب من المساءلة.
يتحول البرلمان إلى قاعة تصديق.
وتتحول السلطة إلى ملكية سياسية خاصة تُدار بمنطق الغنيمة.
هذه ليست حكومة أخطأت، بل منظومة انحرفت. انحرفت حين اعتقدت أن المال والنفوذ والعدد البرلماني يمكن أن تعوّض الشرعية السياسية. وانحرفت أكثر حين بدأت تتعامل مع الدستور كعائق يجب الالتفاف عليه، لا كسقف يجب احترامه.
لم يعد النقاش اليوم حول “حدة خطاب” أو “أسلوب اعتراض”. النقاش الحقيقي هو:
هل نريد برلمانًا يُحاسِب، أم مجلسًا يُدجَّن؟
هل نريد وزراء خاضعين للمساءلة، أم أوصياء على المؤسسات؟
هل نريد دولة قانون، أم دولة اتفرقيش؟
ما فعلته مليكة الزخنيني لم يكن بطولة فردية، بل تذكيرًا قاسيًا بما يجب أن يكون. والذين انزعجوا من كلمتها، انزعجوا لأنها كسرت قاعدة الصمت، وفضحت ميزان القوة المختل، وقالت ما لا يريدون سماعه:
البرلمان ليس تابعًا، والدستور ليس ورقة، والمغاربة ليسوا قطيعًا.
إما أن يستعيد البرلمان كرامته الآن، أو سيُكتَب عليه أن يتحول، بصمت الجميع، إلى مجرد غرفة انتظار في ضل حكومة تُدير وتدار بمنطق اتفرقيش.
مليكة …انهت اسطورة الجميلة الوحش








تعليقات
0