في لحظة نادرة من الإنصاف السياسي والإنساني، فتحت الحكومة الإسبانية باب التسوية الإدارية الجماعية أمام آلاف المهاجرين، مانحةً إياهم فرصة الخروج من الهشاشة القانونية إلى فضاء الاستقرار والكرامة. غير أن هذه الفرصة التاريخية، بالنسبة لعدد كبير من مغاربة إسبانيا، مهددة اليوم بالضياع، لا بسبب تعنت السلطات الإسبانية، بل نتيجة تعقيدات إدارية قادمة من بلدهم الأصلي.
إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الدولة المستقبِلة للمهاجر تبدي مرونة واستعداداً للتسوية، بينما يجد المهاجر المغربي نفسه عاجزاً عن استكمال ملفه بسبب صعوبات في الحصول على أبسط الوثائق القنصلية: شهادة حسن السيرة، تجديد جواز السفر، أو حتى موعد لولوج القنصلية.
أزمة ليست تقنية بل سياسية
ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في “ضغط مواعيد” أو “نقص موارد بشرية”، بل يطرح سؤالاً أعمق حول تعامل المؤسسات الوصية مع الجالية المغربية في الخارج، وحول مدى جاهزيتها لمواكبة التحولات الاستثنائية التي يعيشها المهاجرون.
فبينما سارعت قنصليات دول أخرى إلى فتح مكاتب طوارئ، وتبسيط المساطر، واعتماد حلول مرنة تراعي حساسية المرحلة، يشعر المغربي في إسبانيا، وبشهادة الكثيرين، بأنه مواطن من الدرجة الثانية، أو كما يصف نفسه: يتيم قنصلياً.
أين مجلس الجالية؟ وأين وزارة الخارجية؟
أمام هذا الوضع، يبرز غياب واضح لدور مجلس الجالية المغربية بالخارج، الذي يُفترض أن يكون صوت المهاجرين داخل المؤسسات، كما يطرح تساؤلات مشروعة حول دور وزارة الشؤون الخارجية في توجيه القنصليات نحو التعاطي الاستثنائي مع ظرف استثنائي.
إن الصمت أو التأخر في التدخل لا يعني الحياد، بل قد يترجم عملياً إلى إقصاء آلاف المغاربة من حقهم في التسوية، مع ما يحمله ذلك من تبعات اجتماعية ونفسية واقتصادية.
مسؤولية الدولة قبل فوات الأوان
لسنا أمام مطلب سياسي أو امتياز خاص، بل أمام حق إداري مرتبط بكرامة المواطن المغربي، وواجب مؤسساتي يفرض التعبئة السريعة، وتغليب منطق الحلول على منطق المساطر الجامدة.
فإما أن تنتصر الدولة لمواطنيها في لحظة حاسمة،
وإما أن تُسجَّل هذه المرحلة كفرصة ضاعت… بسبب الورق والمواعيد.
والسؤال الذي يطرحه مغاربة إسبانيا اليوم بمرارة:
هل تلتقط المؤسسات المغربية هذا النداء قبل أن يُغلق باب التسوية؟








تعليقات
0