المحج الملكي بين منطق الاستعجال و حق الساكنة في الكرامة الاجتماعية

jawad الخميس 1 يناير 2026 - 10:41 l عدد الزيارات : 113144

أصبح موضوع هدم المباني الآيلة للسقوط، ولا سيما تلك الواقعة ضمن مسار المحج الملكي، من أكثر القضايا التي تشغل الرأي العام المحلي والوطني، لما يحمله من أبعاد عمرانية وقانونية واجتماعية متداخلة. ولا يختلف اثنان حول مشروعية هذا المشروع الملكي وأهميته الرمزية والحضرية، كما لا يختلفان حول رغبة الجميع في خروجه إلى حيز الوجود بعد مسار طويل من الانتظار امتد لما يقارب ثلاثة عقود، حتى بات يظهر للعيان أن هذا المشروع قد لا يرى النور في ظل تعقيد المساطر، وطول مدة الإنجاز، وتعدد المتدخلين.
لقد سبق لنا أن تناولنا هذا الملف في عدد من الروبورتاجات الصحفية ومن زوايا متعددة، تقنية وقانونية وعمرانية، غير أن الجانب الاجتماعي ظل هو الحلقة الأضعف، وهو ما يدفعنا اليوم إلى إعادة فتح النقاش حول كلفة هذا المشروع على الساكنة، التي وجدت نفسها في مواجهة قرارات سريعة لا تراعي في كثير من الأحيان شروط الاستقرار الأسري والمهني.
وخلال الآونة الأخيرة، لوحظ أن السلطات المحلية بتراب مقاطعة سيدي بليوط تتعامل بحزم واضح مع عملية إفراغ الساكنة من منازلها المتواجدة بمسار المحج الملكي، غير أن هذا الحزم لم يكن مصحوبًا بما يكفي من الاستحضار للبعد الإنساني والاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بآجال الإشعار التي لا تتناسب مع حجم الإكراهات المفروضة على الأسر المعنية.
فقصر المدة بين الإخبار والتنفيذ يجعل من الصعب إيجاد كراء بديل في مدينة تعرف ارتفاعًا غير مسبوق في الأسعار، كما يعقد إمكانية توفير الفرق المالي أو استكمال مساطر التمويل البنكي في وقت وجيز.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى مشكل البعد الجغرافي للمناطق التي يتم الترحيل إليها، وما يترتب عنه من إرهاق يومي للساكنة المفروض عليها الرحيل، وتأثير مباشر على استقرارهم المهني، وعلى تمدرس أبنائهم، خصوصًا حين يتم الإفراغ في منتصف الموسم الدراسي دون توفير حلول انتقالية تحفظ حق الأطفال في التعليم في ظروف لائقة.
كما يطرح ضعف المبلغ المخصص للكراء المؤقت إشكالًا حقيقيًا، إذ لم يعد هذا الدعم يواكب الواقع الفعلي لأسعار الكراء، وهو ما يدفع عددًا من الأسر إلى القبول بسكن غير لائق أو حلول هشة تفتقر لأبسط شروط الاستقرار، وهو ما يتنافى مع الأهداف المعلنة للمشروع، ومع مبدأ العدالة الاجتماعية.
إن معالجة ملف بهذه الحساسية تفرض اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية، تقوم على إشراك ممثلي الساكنة المتضررة، وجمعيات المجتمع المدني المتخصصة، والمنتخبين المحليين، باعتبارهم حلقة وصل أساسية بين المواطن والإدارة. فالحوار والإنصات من شأنهما تخفيف حدة الاحتقان، وتحويل الساكنة من متلقٍ سلبي للقرار إلى شريك في إنجاح المشروع.
كما أصبح من الضروري أن تعيد الجهات المعنية والمؤسسات المكلفة بتدبير هذا الملف النظر في أسلوب الاشتغال المعتمد، وذلك عبر الانتقال من منطق تسريع الإفراغ إلى منطق تسريع توفير البدائل السكنية، من خلال التنسيق مع أكبر عدد ممكن من المنعشين العقاريين الذين يستفيدون من امتيازات مهمة، مقابل المساهمة الفعلية في توفير عدد كافٍ من الشقق لفائدة الساكنة المرحلة.
ويسمح هذا التوجه بترحيل أكبر عدد ممكن من الأسر في آجال معقولة، ويجنب استمرار هذا الملف في وضعية تراكم مزمن.
ولا يمكن الحديث عن ترحيل ناجح دون استحضار شروط العيش بالمناطق المستقبِلة، وهو ما يستوجب تنسيقًا فعليًا مع مختلف القطاعات الوزارية، لتوفير وسائل نقل عمومية كافية، ومؤسسات تعليمية قادرة على استيعاب أبناء الأسر المرحلة، إضافة إلى المرافق الصحية والاجتماعية الضرورية، وتحسين الإنارة العمومية، وتأمين الطرق المؤدية إلى هذه الأحياء.
كما بات من اللازم التفكير في تشجيع الاستثمار وخلق نسيج اقتصادي محلي قوي بالمناطق الجديدة، حتى يتمكن المواطنون المرحلون من إيجاد مناصب شغل قريبة من مساكنهم، ويضمنوا الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لأسرهم، لأن المدينة لا تُبنى فقط بالإسمنت، بل بتمكين ساكنتها من شروط العيش الكريم.
إن إنجاح مشروع المحج الملكي، بما يحمله من رمزية وأهمية وطنية، يمر حتمًا عبر وضع الإنسان في صلب المعادلة، فالمشاريع الكبرى لا تُقاس فقط بسرعة الإنجاز، بل بمدى قدرتها على صون كرامة المواطن، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحقوق الساكنة.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image