أزمة‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬النظام‭ ‬الترابي

ittihadpress الأحد 13 يوليو 2025 - 17:03 l عدد الزيارات : 25794

في‭ ‬كلمته‭ ‬خلال‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬للمؤسسة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬للمنتخبات‭ ‬والمنتخبين،‭ ‬الذي‭ ‬انعقد‭ ‬في‭ ‬ماي‭ ‬202،‭ ‬وجّه‭ ‬الكاتب‭ ‬الأول‭ ‬لحزب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاشتراكي‭ ‬للقوات‭ ‬الشعبية،‭ ‬الأستاذ‭ ‬إدريس‭ ‬لشكر،‭ ‬نقدا‭ ‬مباشرا‭ ‬لبنية‭ ‬الحكامة‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬مركّزًا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬‮”‬السحب‭ ‬المنهجي‭ ‬لاختصاصات‭ ‬المجالس‭ ‬الترابية‭ ‬المنتخبة‮”‬،‭ ‬لفائدة‭ ‬شركات‭ ‬ووكالات‭ ‬تتصرف‭ ‬فعليا‭ ‬في‭ ‬الميزانيات‭ ‬وتدبير‭ ‬البرامج،‭ ‬خارج‭ ‬أي‭ ‬رقابة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬مباشرة‮.‬

هذا‭ ‬النقد‭ ‬الذي‭ ‬وجهه‭ ‬الأخ‭ ‬الكاتب‭ ‬الأول‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يفوق‭ ‬السنة‭ ‬اليوم،‭ ‬يتقاطع‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬وضعيات‭ ‬المجالس‭ ‬البلدية‭ ‬ونظيرتها‭ ‬القروية،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية،‭ ‬ومنها‭ ‬جماعة‭ ‬أيت‭ ‬بوكماز،‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬منذ‭ ‬أسابيع‭ ‬موجة‭ ‬احتجاجات‭ ‬اجتماعية‭ ‬تقودها‭ ‬الساكنة،‭ ‬بشكل‭ ‬لافت،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭ ‬الجماعي‭ ‬نفسه،‭ ‬الذي‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬عجزه‭ ‬التام‭ ‬في‭ ‬تلبية‭ ‬مطالب‭ ‬المواطنين،‭ ‬بسبب‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد‭ ‬وتعقيد‭ ‬المساطر‭ ‬وتقييد‭ ‬حريته‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الإدارة‭ ‬الترابية‮.‬

كما‭ ‬شدد‭ ‬الكاتب‭ ‬الأول،‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ ‬الموجهة‭ ‬للمنتخبين‭ ‬الاتحاديين،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نظام‭ ‬اللامركزية،‭ ‬كما‭ ‬يقره‭ ‬الدستور،‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تسند‭ ‬الصلاحيات‭ ‬الحقيقية‭ ‬للمنتخبين‭ ‬باعتبارهم‭ ‬الممثلين‭ ‬الشرعيين‭ ‬للساكنة‮.‬‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يكشف‭ ‬العكس،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬شركات‭ ‬التنمية‭ ‬المحلية‭ ‬والجهوية،‭ ‬والوكالات‭ ‬الجهوية‭ ‬لتنفيذ‭ ‬المشاريع،‭ ‬هي‭ ‬الفاعل‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬الميدان‮.‬‭ ‬وهذه‭ ‬الكيانات،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تشتغل‭ ‬باسم‭ ‬الجماعات،‭ ‬توجه‭ ‬قراراتها‭ ‬غالبا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬السلطات‭ ‬الإدارية،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة‮.‬

ما‭ ‬قاله‭ ‬الأستاذ‭ ‬إدريس‭ ‬لشكر‭ ‬يجد‭ ‬تجسيده‭ ‬الصارخ‭ ‬في‭ ‬جماعة‭ ‬أيت‭ ‬بوكماز،‭ ‬حيث‭ ‬يعيش‭ ‬السكان‭ ‬عزلة‭ ‬وتهميشا‭ ‬مزمنا،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هشاشة‭ ‬البنيات‭ ‬الأساسية‭ ‬وغياب‭ ‬المرافق‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والأدهى‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬المجلس‭ ‬البلدي‭ ‬نفسه،‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المساءلة،‭ ‬انخرط‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬مطالب‭ ‬الساكنة،‭ ‬معلنا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬الوسائل‭ ‬شيئا‭ ‬لتحقيق‭ ‬وعوده‮..‬

في‭ ‬وضعية‭ ‬مثل‭ ‬هذه،‭ ‬من‭ ‬نحاسب؟‭ ‬هل‭ ‬نوجه‭ ‬الغضب‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬جماعة‭ ‬لا‭ ‬يتوفر‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬الموارد،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬صلاحيات‭ ‬حقيقية‭ ‬للتنفيذ؟‭ ‬أم‭ ‬نحاسب‭ ‬مدراء‭ ‬الوكالات‭ ‬وشركات‭ ‬التنمية‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬أسماءهم،‭ ‬ولا‭ ‬ينتخبهم‭ ‬أحد،‭ ‬لكنهم‭ ‬يتصرفون‭ ‬فعليا‭ ‬في‭ ‬الميزانيات،‭ ‬ويوقعون‭ ‬الصفقات،‭ ‬ويشرفون‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬البرامج؟
ما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬أزمة‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬النظام‭ ‬الترابي‭ ‬المغربي،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬الالتفاف‭ ‬على‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬الفعالية‭ ‬والسرعة‭ ‬والنجاعة،‭ ‬ويتم‭ ‬تسليم‭ ‬صلاحياتها‭ ‬إلى‭ ‬كيانات‭ ‬شبه‭ ‬عمومية‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬لمراقبة‭ ‬المواطنين،‭ ‬ولا‭ ‬لسلطة‭ ‬المنتخبين‮.‬‭ ‬وبهذا‭ ‬الشكل،‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬صنعنا‭ ‬واجهة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬القرار،‭ ‬ومراكز‭ ‬قرار‭ ‬غير‭ ‬خاضعة‭ ‬للديمقراطية‮.‬

احتجاجات‭ ‬أيت‭ ‬بوكماز‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬مرآة‭ ‬لواقع‭ ‬أشمل،‭ ‬عشرات‭ ‬الجماعات‭ ‬تعيش‭ ‬الوضع‭ ‬نفسه‮:‬‭ ‬مواطنون‭ ‬غاضبون،‭ ‬مجالس‭ ‬منتخبة‭ ‬مقيدة،‭ ‬وميزانيات‭ ‬محجوزة‭ ‬بين‭ ‬أيدي‭ ‬سلطات‭ ‬إدارية‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬للمساءلة‭ ‬الانتخابية‮.‬‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬لا‭ ‬يضرب‭ ‬فقط‭ ‬مبدأ‭ ‬ربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة،‭ ‬بل‭ ‬يهدد‭ ‬ثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬الديمقراطي‭ ‬برمته‮.‬
وحين‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬يصطف‭ ‬فيها‭ ‬رئيس‭ ‬جماعة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المحتجين‭ ‬ضد‭ ‬عجز‭ ‬جماعته‭ ‬على‭ ‬الوفاء‭ ‬بوعودها،‭ ‬فذلك‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التمثيلية‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬خطر،‭ ‬وأن‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬لإعادة‭ ‬النظر‭ ‬الجذرية‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دعا‭ ‬له‭ ‬الكاتب‭ ‬الأول‭ ‬عندما‭ ‬اقترح‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬المؤتمر‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬ورش‭ ‬تشريعي‭ ‬واسع،‭ ‬يعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬القوانين‭ ‬التنظيمية‭ ‬التي‭ ‬تؤطر‭ ‬عمل‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية،‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬الانتخابية،‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتوزيع‭ ‬الصلاحيات‭ ‬والموارد‮.‬‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬المحلي‭ ‬‮”‬أمانة‭ ‬وطنية‮”‬‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للمنتخبين‭ ‬أن‭ ‬يتحملوها‭ ‬بمفردهم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬منظومة‭ ‬تقيدهم‭ ‬وتحملهم‭ ‬كامل‭ ‬مسؤولية‭ ‬الفشل‮.‬

إن‭ ‬معركة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المنتخبين‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأشخاص،‭ ‬بل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬الناس‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تحكم،‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬الإدارية‭ ‬والسلطة‭ ‬المنتخبة،‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬ينفذ‭ ‬ومن‭ ‬يحاسب،‭ ‬على‭ ‬مجالس‭ ‬منتخبة‭ ‬بوسائل‭ ‬حقيقية،‭ ‬بصلاحيات‭ ‬فعلية،‭ ‬بميزانيات‭ ‬كافية،‭ ‬وبرؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬لا‭ ‬تقطعها‭ ‬يد‭ ‬الوصاية‭ ‬الإدارية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرحلة،‭ ‬فلا‭ ‬تنمية‭ ‬ممكنة‭ ‬خارج‭ ‬الثقة،‭ ‬ولا‭ ‬ثقة‭ ‬دون‭ ‬عدالة‭ ‬مؤسساتية‭ ‬إذا‭ ‬صح‭ ‬التعبير‮.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image