لم يعد الماضي الرقمي مجرد أرشيف شخصي نعود إليه بحنين أو نمرّ عليه بخجل، بل أصبح اليوم معطىً حاسماً في تحديد المسار الأكاديمي أو المهني للآلاف من الشباب المغاربة، خاصة أولئك الذين يطمحون إلى متابعة دراستهم أو تكوينهم بالخارج. آخر مؤشر على هذا التحول الصامت، جاء من واشنطن التي قررت منذ منتصف يونيو الجاري فرض شرط جديد للحصول على تأشيرات الدراسة والتكوين، يتمثل في الكشف الكامل عن الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الخمس الأخيرة.
الطلبة المغاربة الراغبون في الالتحاق بالجامعات أو البرامج التدريبية في الولايات المتحدة، مطالبون الآن بملء استمارة التأشيرة (DS-160) مرفقة بقائمة حساباتهم الإلكترونية على منصات مثل فيسبوك، إنستغرام، تويتر، يوتيوب، وحتى تيك توك. وليس هذا فحسب، بل يُتوقع منهم أن تكون هذه الحسابات مفتوحة للعموم، لتُتيح للجهات القنصلية فحص مضمونها قبل اتخاذ قرار المنح أو الرفض.
ما قد يبدو شرطاً إدارياً إضافياً، يخفي في الواقع اختباراً صامتاً للهوية والآراء والمواقف، حيث قد تُستخرج تغريدة قديمة أو صورة عفوية أو تعليق ساخر من سياقه، ويُستخدم في غير مصلحتك. وهنا يتحول الحضور الرقمي إلى سيفٍ ذو حدين: إما أن يُسعفك في تقديم صورة متّزنة ومسؤولة عن نفسك، أو يُدان من خلاله ماضٍ كنت تظنه قد طُوي مع مرور الوقت.
هذه الممارسة التي تتسع اليوم في أمريكا وغيرها، لا تهمّ فقط الطلبة، بل قد تشمل مستقبلاً طالبي التأشيرات المهنية، الباحثين، المتدربين، بل حتى الراغبين في الهجرة أو العمل بالخارج. إنها رسالة واضحة بأن هويتك الافتراضية لم تعد شأناً خاصاً، بل وثيقة موازية لسيرتك الذاتية، يتم الرجوع إليها كلما تعلق الأمر بمنح فرصة أو اتخاذ قرار.
من هنا، وجب التذكير والتنبيه: راجعوا ماضيكم الرقمي بوعي. لا تتركوا أي محتوى قابل للتأويل السلبي دون مراجعة. ليس الأمر دعوة للمسح أو التنكر، بل لليقظة والحذر. فالكلمة التي كانت تنشر للتفاعل أو المزاح، قد تُقرأ غداً في سياق دبلوماسي أو أمني صارم، لا يعرف المزاح ولا يعترف بسياقات التعبير المحلية.
مستقبلك الأكاديمي أو المهني قد يُصنع اليوم بكفاءتك، لكن قد يُلغى غداً بتغريدة نسيت أمرها. تلك هي المفارقة الجديدة في زمن لم يعد فيه الماضي الرقمي يُمحى، بل يُستخرج، يُفهرس، ويُحاسب عليه.








تعليقات
0