من يملك “معلومة مؤكدة” عن فساد أو اختلاس أو تلاعب، ولا يبلغ بها النيابة العامة، شريك في الجريمة. ومن ينشر تلميحات غامضة لزرع الخوف والضغط على أشخاص أو مؤسسات، ثم يتراجع، هو مبتز يستحق الملاحقة القضائية، لا الإعجاب والمتابعة.
بالفعل، فما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بعض المواقع الإلكترونية التي تدّعي الانتماء إلى “الإعلام”، لم يعد يُحتمل. نحن لا نتحدث عن اجتهادات صحفية أو محاولات كشف للفساد، بل عن انحراف خطير يُرتكب كل يوم باسم الإثارة، اسمه الحقيقي: جريمة. نعم، جريمة مكتملة الأركان.
تدوينات قصيرة، أخبار بلا توقيع، منشورات غامضة تتحدث عن اختلالات “وقعت” هنا أو هناك، عن “شبهات” مالية، عن مسؤولين ومؤسسات عمومية “يُلمّح” إليهم دون تسميتهم… ثم جملة واحدة تُختم بها المسرحية: “سنعود للتفاصيل لاحقاً”. ولكن لا عودة ولا تفاصيل. فقط ضوضاء تُخلّفها “التنقنيقة”، لتُروّج في الفضاء الرقمي إشارات ملغومة، غالباً ما تكون غطاءً لشيئين لا ثالث لهما: ابتزازٌ واضح أو تسترٌ فاضح.
لنكن واضحين: لا يوجد شيء اسمه “السكوت المهني”، ولا “التلميح الوقائي”. إما أن نكون أمام قضية موثقة تحال إلى النيابة العامة، أو أمام جريمة تحرّض على الرعب وتخدم مصالح مشبوهة.
السكوت عن هذه الظاهرة، أو التذرع بأنها مجرد “رأي” أو “أسلوب تعبير”، يكرّس الفوضى الرقمية ويحوّل الصحافة إلى أداة تهديد بدل أن تكون سلطة رابعة نزيهة. أكثر من ذلك، يسمح لبعض “الكتبة” بابتزاز مسؤولين، وتصفية حسابات، وتشويه سمعة أشخاص دون أن يتحرك أحد.
فأين هي النيابة العامة من هذا العبث؟ لماذا لا نرى تحركاً حازماً في وجه من يوهم الرأي العام بأنه “يمتلك الأسرار”، بينما هو يمارس الاستدراج والتهديد ضمنياً للحصول على مكاسب؟ لماذا لا يتم التحقيق في هذه المنشورات؟ فإما أن يكشف صاحبها الوقائع والأدلة أمام القضاء، أو يُتابَع بتهمة التستر أو التحريض أو التشهير.
لقد تحوّل الفضاء الرقمي، في غفلة من المؤسسات، إلى سوق سوداء للإشاعات الممنهجة، وإلى منصة لترويج الرعب المؤسساتي، حيث يُبتز المسؤولون، وتُشوَّه السمعة، وتُخلق ملفات من هواء. وهذا أمر لا يندرج لا في حرية التعبير، ولا في حرية الصحافة، بل في خانة الجرائم الإلكترونية بامتياز.
يجب أن نقولها بوضوح: “التنقنيقة” ليست فعلاً صحفياً. إنها سلوك إجرامي جبان، لا يملك جرأة المواجهة، ولا شجاعة التبليغ، بل يلوّح بالخطر ويبيع الوهم ويُساوم في الظل. إن التساهل مع هذه الظاهرة لا يعني فقط ضرب هيبة الدولة ومصداقية المؤسسات، بل فتح الباب لتقنين الابتزاز العلني، وتحويل الصحافة إلى سلاح للضغط، لا منصة للحقيقة.
فليتحرك القانون. ولتكفّ النيابة العامة عن الصمت. فالساكت عن جريمة التستر والابتزاز… شريك فيها.








تعليقات
0