تتزايد مخاوف الفلسطينيين من أزمة مياه خانقة في الضفة الغربية المحتلة، وسط تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين على الينابيع ومحطات الضخ، في مشهد يعكس عمق المأساة البيئية والإنسانية التي تعيشها القرى الفلسطينية المحاصرة، وأحدثها الاعتداء المتكرر على منشأة “عين سامية”، أحد أهم مصادر المياه في المنطقة.
في السهول الشرقية لقرية كفر مالك، يقف صبحي عليان أمام محطة المياه الفرعية، يراقب المضخات والأنابيب التي تسحب المياه من نبع “عين سامية” الحيوي. يقول عليان بمرارة: “لا حياة بدون ماء. المستوطنون كسروا الأنبوب الرئيسي وقطعوا المياه عن عشرات القرى. اضطررنا لوقف الضخ حتى لا تهدر المياه في الأرض”.
تُعد شبكة عين سامية شريان حياة لأكثر من 110 آلاف فلسطيني، وفق الشركة الفلسطينية لمياه القدس التي تدير المحطة. لكن هذا المصدر الحيوي بات مهدداً بعد توالي الهجمات التخريبية من قبل مستوطنين، بعضهم مسلح، يستهدفون البنية التحتية للمياه عبر تكسير الأنابيب، وتحويل مجاري الينابيع، أو السيطرة الكاملة عليها.
يشير عليان إلى أن هجوماً حديثاً أعقبه تجول مستوطنين في إحدى برك النبع، في استعراض للقوة، ما دفع عمال الصيانة إلى الامتناع عن التوجه إلى المحطة خشية على حياتهم.
من جانبه، يصف عيسى قسيس، رئيس مجلس إدارة مصلحة مياه القدس، ما يجري بأنه “أداة لضم الأراضي وتهجير السكان”، مضيفاً خلال مؤتمر صحافي: “عندما يُمنع الناس من الوصول إلى المياه، يضطرون لمغادرة أرضهم. المياه تُستخدم كوسيلة فعالة لنقل الفلسطينيين قسراً من مناطقهم”.
تتزامن هذه الهجمات مع تصاعد الخطاب السياسي الإسرائيلي الداعي إلى ضم الضفة الغربية بالكامل، خصوصاً من قبل وزراء متشددين مثل بتسلئيل سموتريتش، المستوطن المقيم شمال الضفة، والذي يشغل منصب وزير المالية.
في الوقت الذي تنفي فيه السلطات الإسرائيلية علمها أو مسؤوليتها عن الهجوم الأخير على عين سامية، يشير الواقع إلى نمط متكرر. ففي الأغوار، أكد فرحان غوانمة، ممثل تجمّع عين العوجا، استيلاء المستوطنين على عدد من الينابيع، بينها “عين العوجا”، عبر تحويل مجراها، في خطوة تنذر بتعطيل مصادر الري والزراعة لمجتمعات كاملة.
في قرية دورا القرع، حيث تعتمد بعض الأسر على عين سامية كمصدر احتياطي، تبدو الأزمة أشد وطأة. يقول رفيع قاسم، عضو المجلس القروي: “منذ سنوات، لم يعد الناس يزرعون بسبب انخفاض منسوب المياه. حتى فكرة حفر بئر ارتوازية ممنوعة وفق القوانين الإسرائيلية”، في إشارة إلى القيود المفروضة على مناطق “ج”، التي تمثل أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية وتخضع لسيطرة الاحتلال الكاملة.
ويؤكد قاسم أن مشاريع تنموية مقترحة من الأمم المتحدة والبنك الدولي رفضت بسبب تلك القوانين، ما فاقم معاناة السكان في ظل مواسم جفاف متكررة وتراجع حاد في كميات الأمطار.
تقرير صادر عن منظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية سنة 2023، كشف عن “فجوة هائلة في توزيع المياه”، إذ يحصل المستوطنون وسكان إسرائيل على مياه جارية يومياً دون انقطاع، فيما لا يتجاوز معدل استفادة الفلسطينيين في الضفة الغربية من المياه الجارية بشكل يومي نسبة 36%.
تُختَتم مشاهد القلق بعبارة من رفيع قاسم تختزل حجم الكارثة: “كل سنة تشعر أن المياه تقل… الأزمة تكبر، ولا أفق للحل”.








تعليقات
0