طرد المناضلة الجزائرية نصيرة دوتور، صوت عائلات المختفين، من مطار بلدها، يفجر موجة استنكار حقوقي واسع

baidi الجمعة 1 أغسطس 2025 - 20:35 l عدد الزيارات : 157401

أحمد بيضي

في حدث صادم أثار موجة استنكار واسعة في الأوساط الحقوقية داخل الجزائر وخارجها، أقدمت السلطات الجزائرية، في الثلاثين من يوليوز 2025، على طرد الناشطة الحقوقية البارزة نصيرة دوتور من مطار هواري بومدين بالعاصمة الجزائرية، وترحيلها قسرا إلى فرنسا دون توجيه أي تهمة أو إصدار قرار قضائي أو إداري يمنعها من دخول بلادها، الخطوة، التي وصفها كثيرون بـ “المهينة” و”التعسفية”، أعادت إلى الواجهة الجدل المتجدد حول تعامل الدولة الجزائرية مع المدافعين عن حقوق الإنسان، وعمقت المخاوف بشأن مستقبل الحريات في البلاد.

نصيرة دوتور، رئيسة جمعية “تجمع عائلات المختفين في الجزائر” وعضو مؤسس في “الفيدرالية الأورو-متوسطية لمناهضة الاختفاء القسري”، ليست شخصية عابرة في المشهد الحقوقي الجزائري، منذ اختفاء ابنها أمين عمروش عام 1997 خلال ما يعرف بـ “العشرية السوداء”، كرست حياتها لمناهضة جرائم الاختفاء القسري والمطالبة بكشف الحقيقة حول مصير الآلاف ممن اختطفوا في تلك الحقبة، دون توقف أصابع الاتهام الإشارة بشأن اختفائهم إلى أجهزة الدولة، وقد تحولت دوتور إلى صوت لأمهات وزوجات وآباء المختفين.

واقعة يوم 30 يوليوز تظهر حجم الصدمة التي خلفها التصرف الجزائري لدى الأوساط الحقوقية، فقد وصلت دوتور في حدود الساعة الرابعة والنصف مساء إلى مطار الجزائر العاصمة، حيث تم توقيفها واحتجازها من طرف شرطة الحدود لثلاث ساعات، جرى خلالها التحقيق معها دون إبلاغها بأي تهمة، ثم أُجبرت على صعود طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية باتجاه باريس، دون تقديم أي تبرير رسمي، رغم أنها مواطنة جزائرية لا تملك أي جنسية أخرى، ولم يكن هناك أي قرار قانوني بمنع دخولها إلى التراب الوطني.

البيان المشترك الذي أصدرته جمعيتا “تجمع عائلات المختفين في الجزائر CFDA و”الفيدرالية الأورو-متوسطية لمناهضة الاختفاء القسري” FEMED أدان بشدة هذا الطرد الذي وصفه بـ “الانتهاك الصارخ للدستور الجزائري”، خاصة المادة 49 التي تنص على حرية التنقل، إضافة إلى خرق القانون رقم 08-11 الذي يعنى بتنظيم دخول وإقامة وتنقل الأجانب، في حين أن دوتور لا ينطبق عليها هذا التوصيف، وأكد البيان أن ما حدث يشكل انتهاكً للحقوق الأساسية لمواطنة جزائرية معروفة بنضالها السلمي والحقوقي.

الحدث الذي يمثل تصعيدا خطيرا في حملة التضييق على النشطاء المدنيين داخل الجزائر، أثار موجة من ردود الأفعال الغاضبة داخل الأوساط الحقوقية، حيث عبر مراقبون عن قلقهم إزاء ما اعتبروه مؤشرا جديدا على رغبة السلطات الجزائرية في إقصاء الأصوات التي ترفض النسيان، وتطالب بالعدالة والمحاسبة عن الجرائم التي وقعت خلال الحرب الأهلية، والتي لا تزال ملفّاتها طي الكتمان، كما نبهت منظمات حقوقية دولية إلى خطورة تحويل المناضلين من أجل العدالة إلى منفيين في أوطانهم أو خارجها، فقط لأنهم يطالبون بإنصاف الضحايا.

ولم يفت نصيرة دوتور، في تصريح لها عقب ترحيلها، القول بأنها لم تُخف ألمها مما وقع، لكنها أكدت إصرارها على مواصلة نضالها قائلة: “ابني مختف… وها هم الآن يطمسونني أنا الأخرى، لكن، ما دمت قادرة على الكلام، فسوف أتكلم من أجله من أجل الآخرين، من أجل الذاكرة، ومن أجل العدالة”، وتلك من بين كلمات أخرى تختصر مسيرة امرأة جعلت من الجرح الشخصي قضية وطنية ودولية، وواجهت في سبيلها ضغوطا ومضايقات مستمرة لم تثنها عن الدفاع عن الحقيقة.

الجمعيتان الداعمتان لدوتور دعتا إلى تعبئة واسعة من طرف المنظمات الحقوقية الدولية والهيئات الأممية والدبلوماسية من أجل التنديد العلني بهذا الطرد، ودعم نضال عائلات المختفين، ومطالبة السلطات الجزائرية بالوفاء بالتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، ووقف تجريم العمل الحقوقي المشروع، كما جددتا دعوتهما لإطلاق نقاش وطني حقيقي حول قضايا الذاكرة والعدالة الانتقالية، يكون ضحايا الاختفاء القسري وعائلاتهم طرفًا فيه، لا مجرد متلقين لقرارات فوقية تقصيهم بدل أن تنصفهم.

وباعتبارها عضوا في المجلس الإداري للفيدرالية الأورومتوسطية، أعربت “المنظمة المغربية لحقوق الإنسان”، ضمن بيان لها عممته على الرأي العام الوطني والدولي، عن استغرابها الشديد من إقدام السلطات الجزائرية على منع الحقوقية نصيرة دوتور، من مؤسسي الفيدرالية الأورومتوسطية ضد الاختفاء القسري ورئيسة تجمع عائلات المختفين في الجزائر، من دخول بلدها، وترحيلها تعسفيا إلى فرنسا، دون أي سند قانوني أو قرار قضائي، فقط بسبب نضالها الطويل من أجل الحقيقة والعدالة منذ اختفاء ابنها.

وبينما اعتبرت المنظمة أن هذا الإجراء يندرج ضمن سياسة تهدف إلى التضييق على المدافعين عن حقوق الإنسان، وإسكات الأصوات المطالبة بكشف مصير المختفين ومناهضة الإفلات من العقاب، داعية السلطات الجزائرية إلى الالتزام بتعهداتها الدولية، واحترام حق المواطنين في التنقل والنضال السلمي، معلنة عن تنديدها بالطرد التعسفي لنصيرة دوتور، وتضامنها اللامشروط معها ومع أسر المفقودين بالجزائر، مجددة مطالبتها الدولة الجزائرية بالتدخل العاجل للكشف عن مصير المختفين وفتح ملف الاختفاء القسري بكل شفافية.

جدير بالذكر أن نصيرة دوتور كانت دائما هدفا للمضايقات، لكنها حظيت في المقابل باعترافات دولية بجهودها الجبارة في الدفاع عن الضحايا،. فقد تسلمت سنة 2011 “جائزة أوسكار روميرو لحقوق الإنسان” من كنيسة روثكو في هيوستن، تكريما لنضالها المتواصل من أجل كشف مصير المفقودين في الجزائر، وذلك بعد سليمة غزالي وعلي يحيى عبد النور سنة 1997، كما نالت عام 2015، إلى جانب مناضلين آخرين، جائزة “لونيس معطوب ضد الاستبداد” التي تمنحها الجمعية الجزائرية لحقوق الإنسان والتنمية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image