منشغلون بوضع بدائل لتقوية العمل المؤسساتي…نحن اليسار

rami السبت 14 فبراير 2026 - 22:08 l عدد الزيارات : 113991

بديعة الراضي

في الوقت الذي انشغلت فيه بعض الصفحات الفايسبوكية بتتبع انتقال أحد الأسماء الاتحادية، التي بصمت محطات من تاريخنا الحزبي، إلى إطار حزبي آخر — وهو اختيار شخصي يندرج في سياق التحولات الطبيعية التي يعرفها الحقل السياسي — كان المقر المركزي لـ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يحتضن يوماً دراسياً رفيع المستوى حول التنمية العادلة والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. هذا التباين في الصورة لا يعكس مجرد اختلاف في الاهتمام، بل يكشف عن الفرق الجوهري بين منطق يختزل السياسة في الأسماء، ومنطق يؤمن بأن جوهر العمل الحزبي هو الفكرة والبرنامج والمؤسسة.
لقد اختار الاتحاد الاشتراكي، في سياق تحوّلاته التنظيمية والسياسية، أن يعيد تموقعه داخل أفق العمل المؤسساتي، بعيداً عن شخصنة النقاش أو الارتهان لمنطق الإثارة الرقمية. فالرهان الحقيقي لا يكمن في تتبع التحاقات أو مغادرات، بقدر ما يتمثل في مساءلة الاختيارات العمومية، وتقديم بدائل مسؤولة وقابلة للتنفيذ. من هنا اكتسب اليوم الدراسي أهميته، ليس كحدث تنظيمي عابر، بل كفضاء لإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تؤطر المرحلة.
المداخلات التي قدّمها خبراء من أجيال مختلفة، في مقدمتهم عبد الله ساعف وامحمد المالكي، انصبت على أعطاب الانتقال الديمقراطي وإكراهاته البنيوية، وعلى اختلال توازن السلط في ظل تنامي حضور السلطة التنفيذية مقابل تراجع أدوار المؤسسة التشريعية. كما تم التوقف عند محطات التدبير الحكومي عبر مراحل مختلفة، برصد موضوعي لنقط القوة والضعف، بعيداً عن منطق المزايدة أو التبرئة المطلقة. النقاش امتد إلى قطاعات استراتيجية شكلت ولا تزال محور السياسات العمومية، من الماء والفلاحة إلى الصحة والتعليم والتجارة الخارجية، مع تقييم تداعيات بعض الاتفاقيات التجارية التي لم تحقق النتائج المنتظرة على مستوى دعم الإنتاج الوطني أو تقليص العجز التجاري.
ملف الماء، في ظل التحولات المناخية المتسارعة، طُرح باعتباره قضية سيادة وطنية وأمناً استراتيجياً، لا مجرد إشكال تقني. كما أثيرت رهانات الانتقال الطاقي، بما في ذلك الطاقات الريحية والهيدروجين الأخضر، مع التنبيه إلى ضرورة تأطيرها برؤية واضحة تضمن حماية الموارد الوطنية وتفادي منطق الريع أو الارتهان. لقد كان النقاش تشخيصياً في عمقه، لكنه لم يكتف بوصف الأعطاب، بل انصرف إلى اقتراح حلول عملية تستحضر الواقعية السياسية والإكراهات الدولية، دون التفريط في المصلحة الوطنية.
هذا المشهد الجدي والمسؤول يعيد إلى الواجهة المعنى الحقيقي لدور الأحزاب السياسية: خلق فضاء للنقاش العمومي الرصين، وتأطير المواطنين عبر برامج واضحة، وبناء تنافس نزيه حول البدائل الممكنة. فالمعركة اليوم ليست معركة صور عابرة أو خطابات تستجلب “إعجابات” رقمية، بل معركة تصورات ومشاريع. وبين من يختزل السياسة في ضجيج افتراضي، ومن يشتغل في عمق الأسئلة الاستراتيجية داخل مؤسسة حزبية عريقة كـ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يتحدد الفرق بين ممارسة سياسية عابرة، وممارسة تتحمل مسؤوليتها التاريخية في خدمة الوطن.
بدائلنا في تقوية العمل المؤسساتي لبناء وطن الغد لا تنفصل عن هذا المسار، بل تنبع منه. فهي تقوم أولاً على إعادة الاعتبار للمؤسسة التشريعية عبر تعزيز صلاحيات الرقابة والتقييم، وترسيخ توازن حقيقي بين السلط، بما يحد من تغول أي سلطة على حساب أخرى. كما تقتضي إرساء حكامة اقتصادية شفافة تربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخضع السياسات العمومية لتقييم دوري قائم على النتائج والمؤشرات بخطاب سياسي حكيم. وتتمثل كذلك في بلورة نموذج تنموي يوازن بين جاذبية الاستثمار وحماية النسيج الإنتاجي الوطني، ويجعل من الأمن المائي والغذائي والطاقي أولويات استراتيجية مؤطرة برؤية سيادية واضحة، مع إعادة توجيه السياسات الاجتماعية نحو تقليص الفوارق المجالية وتحسين جودة الخدمات العمومية في الصحة والتعليم. بهذه الروح يصبح العمل المؤسساتي خياراً واعياً لبناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، ومتماسكة في مجتمعها، قادرة على صناعة مستقبل يليق بوطن الغد. لهذا نقول أننامنشغلون بوضع بدائل لتقوية العمل المؤسساتي…نحن اليسار

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image