بقلم: عبد العزيز الخبشي
منذ أن أطلقت ميساء سلامة الناجي تصريحها الصادم: “بعد تفكير عميق قررنا ندير جمعية ونكون أنا الرئيس ديالها، ونقلب على الدعم، وندير راسي صالير”، بدا وكأننا أمام لحظة اعتراف عفوية لكنها عميقة الدلالة، لحظة تمزّق فيها الغطاء الخطابي الذي تتدثر به الكثير من الجمعيات، ليظهر وجه آخر من وجوه الريع الذي ظل لعقود محصوراً في أذهان الناس في صورته التقليدية المرتبطة بالامتيازات السياسية أو الاقتصادية أو اللوبيات الاحتكارية. فهنا، الريع يطل برأسه من باب العمل الجمعوي الذي يُفترض أن يقوم على التطوع وخدمة الصالح العام، لا على تحويله إلى مصدر دخل شخصي ثابت.
حين نضع هذا التصريح في سياقه الزمني والاجتماعي، نجد أن المرحلة التي نعيشها اليوم تشهد تضخماً غير مسبوق في أعداد الجمعيات، بعضها وُلد من رحم الحاجة الحقيقية للمجتمع المدني، وبعضها الآخر انبثق من رحم الطمع في المنح والدعم، سواء كانت من الدولة أو من الجماعات الترابية أو من الممولين الأجانب. وفي خضم هذا المشهد المزدحم، يكتسب تصريح ميساء سلامة الناجي أهمية خاصة لأنه، دون أن تدري ربما، وضع إصبعه على جرح طالما تجنّب كثيرون الحديث عنه صراحة: الدعم العمومي الذي يُمنح للجمعيات، بلا تدقيق كافٍ ولا مساءلة حقيقية، يتحول في حالات كثيرة إلى شكل من أشكال الريع الذي يلتهم المال العام تحت يافطة “العمل المدني”.
الإصرار على ذكر “الدعم” في التصريح ليس بريئاً، فالسياق المغربي يجعل من كلمة “الدعم” مفتاحاً لفتح ملفات معقدة ومتشابكة. الدعم هنا ليس فقط تمويلاً لأنشطة، بل في حالات كثيرة مصدر رزق مباشر لأشخاص يضعون أنفسهم على رأس جمعيات ويضمنون لأنفسهم مرتباً شهرياً ثابتاً من أموال مخصصة أصلاً لخدمة المجتمع. هنا تتحول الجمعية من إطار لخدمة الصالح العام إلى مؤسسة خاصة ذات طابع شبه شخصي، تعيش على تمويلات الدولة أو المانحين الدوليين، تماماً كما تعيش شركات الريع على صفقات حصرية أو امتيازات قانونية.
ما يزيد الأمر خطورة أن هذا الريع الجمعوي لا يختلف في جوهره عن الريع الاقتصادي الذي يستفيد منه أصحاب “السيد” في قطاع الصيد البحري، أو لوبيات النقل، أو شركات صناعة السمك التي تحظى بدعم من المال العام تحت ذرائع “تشجيع الاستثمار” أو “دعم الإنتاج”. كلّها أشكال لامتصاص الموارد المشتركة وتحويلها إلى أرباح خاصة، مع اختلاف الغلاف الخارجي: هنا الغلاف إنساني أو حقوقي أو ثقافي، وهناك الغلاف اقتصادي أو تجاري. لكن الجوهر واحد: الاستفادة من المال العمومي دون مقابل حقيقي يتناسب مع حجم هذا المال.
الأدهى من ذلك أن جزءاً من هذا الدعم يأتي من جهات مانحة أجنبية، تحت عناوين مثل “دعم الديمقراطية” أو “تمكين المرأة” أو “تعزيز المشاركة المدنية”. ورغم نبل هذه الشعارات، فإن غياب آليات شفافة للتدقيق في أوجه صرف هذه الأموال، يفتح الباب واسعاً أمام توظيفها في أغراض شخصية أو حزبية أو حتى تجارية. هنا يصبح المال الخارجي جزءاً من اقتصاد الريع الداخلي، ويتحول العمل المدني إلى قناة إضافية لضخ الأموال في جيوب محددة، بدل أن يكون جسراً لتنمية حقيقية للمجتمع.
المشكلة الأكبر أن الإطار القانوني والمؤسساتي لم يواكب هذا الانفجار في عدد الجمعيات وحجم الدعم الموجه لها. فالتقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات – وهي قليلة أصلاً في هذا الباب – تكشف بين الحين والآخر عن خروقات جسيمة في تدبير أموال الدعم، من تضخيم الفواتير إلى غياب المشاريع على الأرض، وصولاً إلى الجمعيات التي تتحول إلى واجهة لأنشطة تجارية أو سياسية بحتة. لكن هذه التقارير، مهما كانت جودتها، تبقى معزولة عن إجراءات صارمة للمحاسبة والعقاب، ما يجعل الرسالة واضحة: يمكنك أن تحصل على الدعم، وأن تصرفه كما تشاء، وفي أسوأ الأحوال سينتهي الأمر بتقرير يُحفظ في الأرشيف.
إن تصريح ميساء سلامة الناجي، مهما كانت خلفياته، يجب أن يكون ناقوس خطر يدق في وجه الدولة والمجتمع معاً. فمن جهة، على الدولة أن تدرك أن المال الذي تخصصه للجمعيات ليس هبة بلا شروط، بل استثمار في التنمية المجتمعية، ويجب أن يخضع لنفس معايير التتبع والتقييم التي تُفرض على أي مشروع عمومي أو خاص. وهذا يعني تفعيل المساءلة عبر الأجهزة الدستورية المختصة – من مجلس الحسابات إلى المفتشيات العامة – مع إلزام الجمعيات بنشر تقارير مالية مفصلة ومدققة، متاحة للرأي العام، تماماً كما تُلزم الشركات المدرجة في البورصة بنشر ميزانياتها.
ومن جهة أخرى، على المجتمع المدني الجاد أن يميز نفسه بوضوح عن هذا النمط الريعي من العمل الجمعوي، وأن يرفض التواطؤ بالصمت مع من يحولون الجمعية إلى مصدر دخل شخصي. الصمت هنا ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في تكريس الفساد، لأن ترك الحبل على الغارب يعني استمرار تبذير موارد كان يمكن أن تغيّر حياة فئات واسعة من المواطنين.
لا أحد يعارض أن يتقاضى العاملون في الجمعيات أجراً مقابل عملهم، فالتطوع ليس قاعدة مطلقة، والاحترافية مطلوبة أحياناً لإنجاز مشاريع معقدة. لكن الفرق الجوهري هو بين أجر مشروع يأتي في إطار خطة عمل واضحة ونتائج قابلة للقياس، وبين مرتب شهري يتحول إلى حق مكتسب لمجرد حمل لقب “رئيس الجمعية”. هذا الأخير هو لبّ الريع، لأنه يقوم على الاستفادة الدائمة من المال العام دون معيار حقيقي للمردودية أو الأثر المجتمعي.
إننا أمام ملف لا يقل خطورة عن ملفات الفساد في الصفقات العمومية أو نهب الأراضي أو تهريب الأموال. الفرق الوحيد هو أن هذا الفساد يرتدي عباءة النبل والعمل الإنساني، ما يجعله أخطر من غيره لأنه يتسلل إلى الضمير العام من باب التعاطف. وكما أن الدولة أعلنت حملات لمكافحة الريع في قطاعات مثل النقل أو الصيد أو العقار، فإن الوقت قد حان لإعلان حملة مماثلة في قطاع الجمعيات، حملة تضع حداً لهذا التسيب، وتعيد تعريف الدعم العمومي باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف محددة، لا مجرد رافد مالي دائم لجيوب القائمين على الجمعيات.
إن تصريح ميساء سلامة الناجي ليس مجرد كلام عابر في لحظة مزاح أو تهكم، بل هو مرآة لواقع قائم، واقع يُظهر كيف يمكن لفكرة نبيلة مثل العمل المدني أن تتحول، في غياب الشفافية والمحاسبة، إلى أداة لإعادة إنتاج نفس منطق الريع الذي ينهك البلاد منذ عقود. وإذا لم نمتلك الشجاعة لتسمية الأشياء بأسمائها، فإننا سنجد أنفسنا بعد سنوات أمام قطاع جمعوي ضخم في الشكل، هش في المضمون، يلتهم الأموال ولا يترك أثراً حقيقياً في حياة الناس.








تعليقات
0