في خطوة قد تعيد رسم ملامح العلاقة بين منصات التواصل العملاقة والمستخدمين، شرعت “يوتيوب” في اختبار أداة جديدة قائمة على الذكاء الاصطناعي، مصمَّمة لاستنتاج عمر المستخدمين في الولايات المتحدة بشكل مستقل عن البيانات التي يقدمونها عند التسجيل. الهدف المعلن هو تعزيز حماية القاصرين من المحتوى الضار والعادات الرقمية غير الصحية، لكن بين الحماية والرقابة تطرح هذه الخطوة أسئلة جوهرية عن الخصوصية وحرية الاستخدام.
على عكس الأسلوب التقليدي الذي يكتفي بتاريخ الميلاد المصرَّح به، تعتمد التقنية الجديدة على تحليل “إشارات سلوكية” متعددة، منها أنماط المشاهدة والبحث، وأقدمية الحساب، وتفضيلات المشاهدة وتكرارها.
وعند تحديد أن المستخدم تحت 18 عامًا، تُطبّق تلقائيًا سياسات خاصة، أبرزها إيقاف الإعلانات المخصصة، وتشديد الفلترة في التوصيات، والحد من تكرار مشاهدة أنواع معينة من المحتوى. وإذا حدث خطأ في التصنيف، يمكن للمستخدم الاعتراض عبر تقديم بطاقة هوية أو بطاقة مصرفية تثبت سنه.
تأتي الخطوة في وقت تتعرض فيه “يوتيوب” و”إنستغرام” و”تيك توك” لضغوط متزايدة، وسط اتهامات بالإضرار بالصحة النفسية للمراهقين، وفشلها في منع التعرض للمحتوى المؤذي أو الإدماني.
في أستراليا، فُرض حظر على استخدام “يوتيوب” لمن هم دون 16 عامًا، ووصفت الخوارزميات بـ”المفترسة”، فيما تشهد الولايات المتحدة نقاشات حول مشاريع قوانين لإلزام المنصات بآليات تحقق عمر صارمة.
أما في الاتحاد الأوروبي، فيخضع أي نظام يجمع بيانات لتقدير أعمار المستخدمين لقواعد صارمة في اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، ما يعني أن “يوتيوب” ستكون ملزمة بالحصول على موافقة صريحة لجمع وتحليل “الإشارات السلوكية”، وتوفير حق النفاذ والحذف والتصحيح للمستخدمين، وكشف طريقة عمل الخوارزميات لضمان الشفافية. كما أن قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA)، الذي دخل حيز التنفيذ، يفرض على المنصات الكبرى إجراءات حماية خاصة للقاصرين، ويمنع الإعلانات الموجهة على أساس البيانات الشخصية للأطفال.
وفي المغرب، لا توجد حتى الآن تشريعات تفصيلية تعالج مسألة تقدير الأعمار بالذكاء الاصطناعي، لكن قانون حماية المعطيات الشخصية (09-08) يفرض على الشركات الحصول على ترخيص من اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية (CNDP) قبل جمع أو معالجة بيانات حساسة.
ومع تزايد النقاش حول الأمن الرقمي وحماية القاصرين، قد تدفع مثل هذه المبادرات العالمية المشرّع المغربي نحو سنّ لوائح خاصة بحماية الأطفال على الإنترنت، وفرض التحقق الإلزامي من العمر على المنصات التي تستهدف الجمهور المغربي.
أما على صعيد التوسع العالمي، فتبرز عدة تحديات، من أبرزها التوافق مع القوانين المحلية، إذ ستحتاج المنصة لتعديل النظام بما يتلاءم مع كل سوق، إلى جانب المخاطر التقنية المرتبطة بدقة الذكاء الاصطناعي في تحديد العمر والتي قد تختلف باختلاف الثقافة والسلوك الرقمي، فضلا عن التأثير المحتمل على السوق الإعلاني، حيث قد تؤدي تغييرات استهداف الفئات العمرية إلى خفض أرباح الإعلانات الموجهة.
وفي المحصلة، فإن خطوة “يوتيوب” قد تعزز الحماية الرقمية للأطفال، لكنها أيضًا تفتح نقاشًا عالميًا حول من يملك الحق في تحديد هوية المستخدم الرقمية، وأي حدود يجب أن تُرسم بين الحماية المشروعة والرقابة المفرطة. نجاح التجربة في الولايات المتحدة قد يكون مقدمة لتحول عالمي في سياسات المنصات، لكن القوانين الأوروبية والمغربية ستحدد شكل هذا التحول ومجاله.
مقارنة الأطر القانونية لحماية القاصرين والتحقق من العمر عبر الإنترنت
| الدولة | الإطار القانوني الأساسي | آليات حماية القاصرين | موقف من التحقق العمري بالذكاء الاصطناعي | القيود على الإعلانات الموجهة للقاصرين | العقوبات على المخالفات |
|---|---|---|---|---|---|
| الولايات المتحدة | قوانين فيدرالية مثل COPPA (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) + تشريعات على مستوى الولايات | إلزام المنصات بحذف بيانات الأطفال دون 13 عامًا إلا بموافقة الوالدين | مسموح تقنيًا مع إشراف ذاتي من الشركات، لكن هناك مقترحات لفرض التحقق الإلزامي | قيود على الإعلانات للأطفال دون 13 عامًا، مع نقاشات لتوسيعها حتى سن 16 | غرامات مالية كبيرة، قد تصل إلى ملايين الدولارات |
| الاتحاد الأوروبي | اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) + قانون الخدمات الرقمية (DSA) | حماية صارمة للبيانات، منع الإعلانات الموجهة على أساس بيانات الأطفال | مسموح بشرط الشفافية والموافقة المسبقة، مع حق النفاذ والحذف | حظر الإعلانات الموجهة للقاصرين، وتقييد التوصيات الخوارزمية | غرامات تصل إلى 4% من الإيرادات العالمية السنوية للشركة |
| المغرب | قانون 09-08 لحماية المعطيات الشخصية، مع إشراف اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية (CNDP) | لا توجد لوائح متخصصة بالقاصرين، لكن هناك التزام عام بحماية البيانات | غير منصوص عليه صراحة، لكن أي معالجة لبيانات حساسة تحتاج ترخيصًا | لا توجد قيود محددة، لكن يمكن سنها عبر تعديلات مستقبلية | غرامات وعقوبات إدارية، وحجب الخدمة في حالات قصوى |








تعليقات
0