في قلب “المجمع العالمي للابتكار” التابع للإنتربول، تخوض الشرطة الدولية سباقًا تقنيًا مع الزمن لمواجهة موجة متصاعدة من الجرائم السيبرانية، حيث بات الذكاء الاصطناعي يُصنَّف كأخطر أداة في يد الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
من مقرها الآسيوي، الذي يُعدّ ثاني أهم قاعدة عمليات بعد مقرها في ليون بفرنسا، تدير المنظمة مركز الدمج السيبراني، وهو منصة لتبادل المعلومات الاستخباراتية بين 196 دولة عضو. هنا، تُحلَّل ملايين البيانات يوميًا: عناوين بروتوكولات الإنترنت، أنماط البرمجيات الخبيثة، رموز القراصنة، ومسارات الأموال المشفرة.
مسؤولو القسم يؤكدون أن الخطر لم يعد يقتصر على رسائل الاحتيال الإلكتروني التقليدية، بل تطوّر إلى استخدام تقنيات “التزييف العميق” لإنتاج مقاطع صوتية ومرئية لمسؤولين حكوميين وشخصيات عامة، تُستغل في الترويج لاستثمارات وهمية أو عمليات انتحال هوية معقدة. هذه الأدوات أصبحت متاحة حتى لمرتكبي جرائم ذوي مهارات محدودة، عبر أسواق سوداء رقمية تبيع برمجيات جاهزة للاختراق والاحتيال.
المعركة، كما يصفها خبراء الاستخبارات السيبرانية، هي “مطاردة بين القط والفأر”، تتطلب تحديثًا دائمًا للأدوات. لذلك يعمل مختبر الأدلة الرقمية على استخراج البيانات من الحواسيب والهواتف وحتى السيارات، مع تطوير استخدامات مستقبلية للواقع الافتراضي والتكنولوجيا الكمية في التحقيقات.
خلال العام الماضي، نسّقت المديرية عمليات واسعة في آسيا وإفريقيا أسفرت عن تفكيك آلاف العناوين الرقمية الخبيثة، وتوقيف أكثر من ألف مشتبه فيه، واسترجاع عشرات ملايين الدولارات من عائدات الاحتيال. غير أن المسؤولين يحذرون من أن حجم الهجمات مرشح للاتساع، مع تزايد اعتماد المجرمين على خوارزميات ذكية قادرة على محاكاة البشر بدقة متقدمة.
القلق المستقبلي لا يتعلق فقط بالجرائم الحالية، بل بإمكانية ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي تعمل خارج نطاق الرقابة البشرية. سؤال معقّد يطرحه القائمون على المركز: من المسؤول قانونيًا عن أفعال خوارزمية بلا “نية” ولا “روح”؟ المبرمج، المستخدم، أم النظام ذاته؟
المشهد يكشف عن تحوّل جذري في طبيعة الجريمة المعاصرة. الحدود الجغرافية تذوب أمام كابل ألياف بصرية، والضحايا قد يكونون أفرادًا أو مؤسسات أو دولًا. ما يجري في سنغافورة ليس مجرد عمل تقني، بل إعادة تعريف لمفهوم الأمن في عصر تتحول فيه الخوارزميات إلى سلاح، وتصبح الوقاية الرقمية ضرورة يومية لكل مستخدم يحمل هاتفًا ذكيًا.








تعليقات
0