مرة أخرى، تكشف بعض المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي عن الوجه المظلم للتعاطي مع القضايا الحساسة، حيث تصبح المأساة الإنسانية مناسبة لصناعة “البوز”، بعيداً عن أي وازع مهني أو مسؤولية أخلاقية.
قضية الاعتداء المفترض على طفل خلال موسم مولاي عبد الله أمغار أخرجت الكثير من الأقلام والأصوات عن جادة الصواب، إذ سارع البعض إلى تضخيم الروايات أو التسرع في إطلاق الأحكام، دون اعتبار لبراءة سن الضحية أو لآلام أسرته التي تعيش صدمة حقيقية.
المهنية الصحفية، كما تعلمناها، تقوم على التحري والتثبت واحترام كرامة الأشخاص، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقاصر. لكن ما شاهدناه هو العكس تماماً: عناوين مثيرة، أرقام متضاربة، ومحتوى لا يتردد في وصم الطفل، في تجاوز صارخ لأبسط أخلاقيات المهنة. لقد بدا وكأن الهدف لم يكن نقل الحقيقة أو تنوير الرأي العام، بل فقط اقتناص زيارات ونقرات، وكأن معاناة الناس مجرد مادة خام لتغذية خوارزميات المشاهدات.
إن الخطر في هذا الانزلاق لا يكمن فقط في تشويه صورة الإعلام، بل في الأثر النفسي والاجتماعي المباشر على الضحية وأسرته. فالطفل الذي يفترض أن يحاط بالحماية والدعم يجد نفسه فجأة أمام محكمة افتراضية، حيث يتناوب الجميع على وصمه أو التشكيك في روايته، في انتهاك سافر لحقه في الخصوصية والحماية.
قضية مولاي عبد الله ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، لكنها محطة جديدة تفرض علينا جميعاً ـ كصحافيين ومهنيين وفاعلين في المجتمع المدني ـ أن نرفع الصوت عالياً ضد هذا الانزلاق. فالصحافة ليست صناعة بوز، بل رسالة ومسؤولية، ومواقع التواصل الاجتماعي ليست ميداناً للجلد والتشهير، بل فضاء يجب أن يُسخَّر للتضامن والوعي.
لقد آن الأوان لإعادة النقاش الجدي حول ميثاق أخلاقيات المهنة، ولتذكير الجميع بأن الإنسان، خصوصاً حين يكون طفلاً، ليس خبراً عابراً ولا وسيلة للترفيه الرقمي. احترام كرامة الضحية هو الخط الأحمر الذي لا يجب تجاوزه، مهما كانت شهية المنابر للسبق والانتشار.








تعليقات
0