ذكرى ثورة الملك والشعب: ثورة ثانية من أجل التنمية والكرامة

ittihadpress الأربعاء 20 أغسطس 2025 - 23:51 l عدد الزيارات : 106193

* ⁠دة إيمان الرازي

حين نستحضر ذكرى ثورة الملك والشعب التي اندلعت سنة 1953 ضد الاستعمار، فإننا لا نستعيد حدثا تاريخيا عابرا في سجلات عابرة، أو صفحة مشرقة في سجل النضال الوطني، لكننا نقف في المقابل عند لحظة مفصلية أسست لهوية المغرب المستقل، وعبرت عن التحام جماهيري نادر بين العرش والشعب من أجل الحرية والاستقلال. لهذا كانت تلك الثورة العظيمة جوابا حاسما على واقع الاستبداد الاستعماري الفرنسي الذي صادر الأرض والإنسان، وفرض هيمنة قاسية على مقدرات الوطن، لكنها كانت أيضا تعبيرا عن توق المغاربة إلى مستقبل أفضل، وعن وعي عميق بأنه لا وجود لتحرر سياسي دون إحداث تحرر اقتصادي واجتماعي.

غير أن مرور اثنين وسبعين سنة كاملة على تلك اللحظة التاريخية يفرض علينا وقفة صريحة، إذ لا يكفي أن نستحضر الأمجاد أو نُردد الشعارات، بل ينبغي أن نطرح السؤال المؤلم: ماذا تحقق من أحلام تلك الثورة؟ وهل استكملنا فعلا أهدافها التحررية في بعدها الشامل، أم أننا توقفنا عند عتبة الاستقلال السياسي دون أن ننجز الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي؟ من هنا يبرز مطلب “ثورة ثانية”، ثورة لا تعيد إنتاج لحظة الخمسينيات، بل تستلهم روحها، لتواجه تحديات التخلف التنموي، والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتمنح للمغاربة اليوم شروط العيش الكريم.

لقد خاض أجدادنا ملحمة التحرير بصدور عارية وإيمان لا يتزعزع، لأنهم كانوا مقتنعين أن التحرر الوطني ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لكرامة المواطن وتقدمه. واليوم، ونحن نعيش زمن العولمة والرأسمالية المتوحشة، نكتشف أن معركة الكرامة لم تنته بعد، وأن مناطق جبلية وقروية مغربية ما زالت تعاني العزلة والتهميش وكأنها خارج الزمن. طرق غير معبدة، مدارس متداعية، مستشفيات غائبة، وشباب محبط يهاجر نحو المدن أو يلقي بنفسه في المجهول. أليس هذا الوجه الآخر للاستعمار، ولكن هذه المرة بأدوات محلية؟ أليس هذا ما يستدعي ثورة ثانية، عنوانها التنمية العادلة والعدالة الاجتماعية؟

من منظور التحليل التاريخي، يمكن القول إن الاستقلال السياسي لم يرافقه مشروع اقتصادي وطني بنفس قوة المشروع التحرري. فقد تحولت الدولة المستقلة في البداية، مع مرور الوقت، إلى جهاز يروم استقرار السلطة أكثر مما يضمن العدالة في توزيع الثروة. وهذا ما ساهم في تراكم التفاوتات بين المركز والهامش، حيث تركزت الاستثمارات الكبرى في الشريط الساحلي والمراكز الحضرية، فيما تُركت القرى والجبال فريسة للفقر والهشاشة. هذا الاختلال المجالي والاجتماعي جعل من مغرب اليوم بلدا بوجهين يسير بسرعتين: مغرب حداثة وبنيات تحتية متطورة في بعض الجهات، ومغرب نسيان وإقصاء في مناطق أخرى.

إن الدرس التاريخي الذي علمتنا إياه ثورة 1953 هو أن التغيير لا يأتي من فوق فقط، بل يحتاج إلى انخراط جماعي، وإرادة سياسية واضحة، ومشروع مجتمعي جامع. لذلك، فإن الثورة الثانية المطلوبة ليست انتفاضة غوغائية أو قفزة في المجهول،لكنها في العمق أكبر من فعل سياسي واجتماعي منظم، يستند بداية إلى وعي جماهيري متجدد، ويرتكز ثانيا على مبادئ التضامن والمساواة. أي أنها ثورة تضع الإنسان في قلب التنمية، وتجعل من التعليم والصحة والشغل والكرامة أهدافا مركزية، لا مجرد شعارات انتخابية عابرة.

وحين ننظر إلى تجارب الشعوب التي أنجزت تحررها الوطني في منتصف القرن العشرين، نرى أن كثيرا منها واجهتها تعثرات جمة لأنها لم تستطع الانتقال بسلاسة إلى مرحلة التنمية المستدامة. بعض هذه الدول غرقت في الاستبداد، وأخرى في الفساد، وقليل منها استطاع أن يوازن بين الحرية السياسية والتنمية الاقتصادية. المغرب بدوره لم يخرج عن هذه القاعدة، فقد عرف لحظات صعبة من القمع والاحتقان الاجتماعي، لكنه في المقابل راكم مكاسب لا يمكن إنكارها على صعيد البنية التحتية الكبرى ومشاريع الإصلاح. غير أن السؤال الجوهري الذي يظل مطروحا: هل هذه الإنجازات انعكست فعلا على حياة المواطن البسيط في الجبال والقرى البعيدة؟ الجواب، للأسف، لا يحتاج إلى كثير من التفكير.

إن الثورة الثانية التي ندعو إليها اليوم ليست موجهة ضد أحد أو نظام أو مؤسسات، لكنها ثورة من أجل الجميع. ثورة تعيد الاعتبار للطبقات الشعبية التي صنعت استقلال المغرب بدمائها، لكنها اليوم تُركت على هامش التنمية. ثورة تعيد الاعتبار للفلاح البسيط في الجبال، وللعامل الذي يكدح في المعامل، وللشباب العاطل الذي يحلم بفرصة عمل، وللمرأة القروية التي تقاوم من أجل الماء والحطب كما لو أننا ما زلنا في منتصف القرن الماضي.

التاريخ يعلمنا دائما أن كل مجتمع يرفض تجديد نفسه محكوم عليه بالتآكل. وإذا كان أجدادنا قد واجهوا الاستعمار بالرصاص والمقاومة المسلحة، فإن جيل اليوم مدعو لمواجهة الاستعمار الجديد: استعمار الفقر، واستعمار الجهل، واستعمار التفاوتات الصارخة. وهذه المعركة لا تُخاض بتاتا بالبندقية، بل بالمدرسة الجيدة، والمستشفى اللائق، وفرص العمل، وبناء اقتصاد وطني منتج، يقطع مع الريع والزبونية، ويحرر المبادرة الخلاقة.

لقد حان الوقت لفتح نقاش وطني صريح حول النموذج التنموي. فحل البرامج السابقة، مهما حملت من وعود، لم تستطع أن تغير الواقع بشكل جذري، لأنها بقيت حبيسة المقاربة التقنية والقطاعية، ولم تُبنَ على رؤية شمولية تضع العدالة الاجتماعية في صميمها. إن الثورة الثانية التي ننشدها تقتضي شجاعة سياسية لإعادة توزيع الثروة بشكل منصف، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحرير الإرادة الوطنية من التبعية المطلقة للمؤسسات المالية العالمية التي تفرض سياسات تقشفية تزيد الفقراء فقراً وتغني الأثرياء.

لا يمكن مطلقا لأي مجتمع أن يعيش على مجد الماضي دون أن يصنع مجده الجديد. إن تمجيد ثورة 1953 لا يكتمل إلا باستلهام دروسها، وتحويلها إلى قوة دفع لمشروع وطني جديد. والحق أن المغرب، رغم الصعوبات، يتوفر على كل المقومات لنهضة ثانية: ثروة بشرية شابة، موقع استراتيجي، إمكانيات طبيعية هائلة، إرادة ملكية حقيقية. لكن هذه الإمكانيات ستظل مجرد أرقام في التقارير إذا لم تقترن بترجمة سياسية حقيقية تجعل من التنمية معركة وطنية شاملة.

إن الثورة الثانية ليست حلما طوباويا، ولا نفسا رومانسيا، بل هي ضرورة حتمية، ضرورة لتجاوز أعطاب التنمية، ولمعالجة التفاوتات المجالية التي تمزق النسيج الوطني، ولمنح المغاربة الحق في وطن يتسع للجميع. هي ثورة تُعيد الثقة في السياسة، وتُعيد للمواطن الأمل في أن الغد أفضل من اليوم، وتؤكد أن الكرامة ليست منّة من أحد، بل حق أصيل انتزعناه بالأمس بالدم، وعلينا أن ننتزعه اليوم بالتنمية والعدالة.

ختاما، نستطيع القول إن اللحظة الراهنة تفرض علينا الاختيار: إما أن نواصل الدوران في الحلقة المفرغة من وعود التنمية غير المحققة، وإما أن ننخرط في ثورة ثانية سلمية وديمقراطية، تعيد تعريف أولويات الدولة والمجتمع على حد سواء. ولعل أعظم تكريم لذكرى ثورة الملك والشعب هو أن نثبت للأجيال القادمة أننا لم نكن مجرد أوفياء للماضي والعرش العلوي فقط، بل كنا أيضا بناة لمستقبل يليق بتضحية الملكية ووفاء الحركة الوطنية.

* أستاذة جامعية وفاعلة سياسية ونقابية 

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image