قرار حكومي جديد يعيد الجدل حول اختلالات السياسة الفلاحية والأمن الغذائي

rami الثلاثاء 26 أغسطس 2025 - 10:42 l عدد الزيارات : 90778

أعادت الخطوة الحكومية القاضية بإلغاء الإعفاءات الجمركية والضريبية عن استيراد الأغنام والماعز والحليب المجفف، مع الإبقاء عليها فقط بالنسبة للأبقار، الجدل حول عمق الاختلالات التي تعتري السياسة الفلاحية والأمن الغذائي بالمغرب. فبينما تشير المعطيات الرسمية إلى وفرة القطيع الوطني بما يفوق 32,8 مليون رأس، تبرز في المقابل مفارقة لجوء البلاد إلى الاستيراد لسد الخصاص في الحليب واللحوم، وهو ما يطرح أسئلة حول فعالية التدابير المتخذة وجدوى الدعم العمومي الموجه للقطاع.

فقد أعلنت الحكومة أنها ستلغي، مع نهاية شتنبر المقبل، العمل بالإعفاءات الجمركية والضريبة على القيمة المضافة الخاصة باستيراد الأغنام والماعز والحليب المجفف، بينما ستواصل العمل بهذا الإجراء فقط بالنسبة لاستيراد الأبقار، في إطار ما تسميه “التشكيل التدريجي للقطيع الوطني”.

الخطوة بحسب بلاغ معمم بهذا الشأن، جاءت بعد عملية إحصاء وطنية كشفت عن وجود قطيع يفوق 32,8 مليون رأس، تهيمن عليه الأغنام والماعز بنسبة ساحقة، مقابل تراجع مقلق في أعداد الأبقار والإبل وصل إلى حدود 30% مقارنة بالمعدلات المعتادة. من هذا المنطلق، رأت الحكومة أن الاستمرار في إعفاء استيراد الأغنام والماعز لم يعد مبرراً في ظل وفرة عددية محلية، في حين يظل دعم استيراد الأبقار ضرورياً لسد النقص الحاد في هذا القطاع.

غير أن هذا القرار يطرح عدة مفارقات. فمن جهة، تُبشر الحكومة بارتفاع عدد رؤوس الماشية وتعتبره مؤشراً إيجابياً على تعافي القطيع، ومن جهة أخرى، تُقرّ ضمنياً بضعف بنيوي في تربية الأبقار عبر استمرار الإعفاء على استيرادها. وهو ما يعكس ارتباكاً في السياسات العمومية التي تبدو أحياناً رهينة لمنطق “الرقع الظرفي” أكثر من كونها استراتيجيات متكاملة للأمن الغذائي.

إلغاء الإعفاءات يعني عملياً رفع كلفة استيراد الأغنام والماعز والحليب المجفف، ما قد يترجم إلى زيادات مباشرة في أسعار هذه المنتجات بالأسواق، خصوصاً مع اقتراب المناسبات الدينية وموسم الدخول الاجتماعي الذي يعرف ارتفاعاً في الاستهلاك. في المقابل، استمرار دعم استيراد الأبقار قد يخفف نسبياً من أزمة الحليب واللحوم الحمراء، لكن يبقى السؤال: هل يكفي ذلك لإنقاذ قطاع يعيش تراجعاً هيكلياً منذ سنوات؟

الفلاحون الصغار هم الحلقة الأكثر هشاشة. فمن جهة، يواجهون موجات جفاف متتالية وكلفة أعلاف متصاعدة رغم الدعم المعلن (11 مليار درهم) والذي لا يصل إلى أغلبيتهم، ومن جهة أخرى، يظلون عاجزين عن منافسة لحوم وألبان مستوردة قد تطرح في الأسواق بأسعار مدعومة. وهكذا يجدون أنفسهم عالقين بين كلفة إنتاج مرتفعة وسوق مضطربة، في ظل غياب رؤية واضحة لإعادة الاعتبار لتربية الأبقار الحلوب والقطعان المحلية بشكل عام.

قرار إلغاء الإعفاءات ليس مجرد تدبير مالي، بل عنوان لمفارقة كبرى: المغرب يتباهى بقطيع يتجاوز 32 مليون رأس، لكنه في الواقع يضطر إلى استيراد الحليب واللحوم لتغطية الحاجيات الأساسية. ما يكشف أن الخلل ليس في الأرقام، بل في غياب سياسة فلاحية شجاعة تعيد التوازن بين الأصناف وتربط الدعم بالعدالة والنجاعة.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image