تجد فرنسا نفسها مجدداً أمام شبح أزمة سياسية عميقة قد تهز استقرارها الداخلي وتضع رئاسة إيمانويل ماكرون في مهب الريح. قرار رئيس الوزراء فرنسوا بايرو طلب التصويت على الثقة ليس مجرد خطوة تقنية مرتبطة بالميزانية، بل مقامرة سياسية كبرى تكشف عمق المأزق الذي وصلت إليه السلطة التنفيذية، في وقت يتصاعد فيه الغضب الشعبي وتتعالى أصوات المعارضة من كل الاتجاهات.
بايرو، الذي قدم نفسه في صورة رجل الإنقاذ، يراهن على فرض إجراءات تقشفية قاسية بدعوى إنقاذ المالية العمومية، لكن في الحقيقة هو يضع حكومته على المحك ويغامر بمستقبل ماكرون السياسي. فالمعارضة بمختلف أطيافها، من لوبن إلى ميلانشون، وجدت في هذه المواجهة فرصة لتقويض شرعية الرئيس وحكومته، ولم تتردد في الدفع بخطاب الاستقالة أو الدعوة إلى حل البرلمان. ميلانشون ذهب أبعد حين اعتبر أن “ماكرون هو الفوضى”، وأن سقوط بايرو يجب أن يجر معه رأس الدولة.
في الشارع، تتسع رقعة الغضب مع الدعوات إلى إضراب عام يوم 10 شتنبر، ما يجعل مشهد المواجهة مزدوجاً: برلمان منقسم، واحتجاج اجتماعي على وشك الانفجار. إنها وصفة مثالية لانسداد سياسي يصعب تجاوزه، خصوصاً مع رئيس فقد الكثير من رصيده الشعبي منذ الانتخابات الأوروبية الأخيرة التي منحت اليمين المتطرف زخماً غير مسبوق.
المأزق يتجاوز السياسة إلى الاقتصاد، حيث انعكست هذه الهشاشة مباشرة على الأسواق: البورصة تهتز، البنوك تخسر، والسندات الفرنسية تواجه تشكيكاً متزايداً في قدرتها على الصمود. الدين العام الذي تجاوز 114% من الناتج المحلي الإجمالي لم يعد مجرد رقم محاسباتي، بل سلاح سياسي في يد المعارضة ودليل على عجز السلطة عن ضبط التوازنات.
ماكرون، الذي يصر على إكمال ولايته حتى 2027، يجد نفسه اليوم محاصراً بين خيارين أحلاهما مر: إما المجازفة بحكومة بايرو التي قد تسقط وتفتح الباب على تعيين سابع رئيس وزراء في ظرفية بالغة الدقة، وإما المضي في سياسة تقشفية قد تشعل الشارع وتفجر غضباً اجتماعياً يصعب التحكم فيه. في كلتا الحالتين، تبدو فرنسا مقبلة على مرحلة من الاضطراب غير المسبوق، حيث تتقاطع أزمة ديون خانقة مع أزمة شرعية سياسية قد تطيح بما تبقى من سلطة الإليزيه.
بهذه الصورة، لا يبدو أن فرنسا تقف فقط على أعتاب أزمة سياسية، بل ربما على حافة اختبار وجودي لنظامها السياسي بأكمله، حيث تتقاطع نهاية ولاية ماكرون مع بداية مرحلة من الفوضى المفتوحة على كل الاحتمالات.








تعليقات
0