اختار كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية في جلسة مجلس النواب ليوم الإثنين الطريق الأسهل والأخطر فقد قلب الحقيقة رأسًا على عقب، و حول الفشل إلى نجاح، والهشاشة إلى ريادة، والجهة الشرقية المهمشة في القطاع الذي يشرف عليه إلى «رقم واحد»… بجرة لسان.
أن تقول إن جهة الشرق هي الجهة الأولى وطنيًا في المنشآت والمجمعات وقرى الصناعة التقليدية ورقم المعاملات، فهذه ليست مبالغة، بل ادعاء يخالف أبسط الخرائط القطاعية التي يعرفها المهنيون، وتُدرَّس في التكوينات، وتُوثّق في التقارير.
والأخطر أن كاتب الدولة لم يخطئ فقط في الترتيب، بل فضح جهله بطبيعة القطاع، خلط بين عدد التعاونيات وبين قوة الاقتصاد الحرفي، وكأن التعاونية في حد ذاتها تُنتج الدخل، وتضمن الحماية الاجتماعية، وتفتح الأسواق.
هذا منطق إداري فقير، يصلح لتقارير داخلية، لا لتدبير قطاع يعيش على الهامش منذ عقود.
ليس أخطر على السياسات العمومية من مسؤول لا يعرف القطاع الذي يشرف عليه، ولا أخطر من ذلك مسؤول يعتقد أن الكلام يصنع الواقع.
هذا بالضبط ما وقع تحت قبة البرلمان، حين قرر كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية أن يعيد رسم خريطة المغرب الحرفية بجواب مرتجل، جعل فيه جهة الشرق «الجهة الرائدة رقم واحد» في كل شيء تقريبًا: المنشآت، المجمعات، القرى، ورقم المعاملات. ريادة شاملة… لا يراها أحد.
وهذا أخطر ما يمكن أن يقع في تدبير عمومي: أن يتحول المسؤول إلى راوٍ لنجاح متخيَّل، بينما القطاع يغرق في الواقع.
أي متتبع جاد لقطاع الصناعة التقليدية يعرف أن الريادة الوطنية، تاريخيًا ومؤسساتيًا واقتصاديًا، تستقر في جهات أخرى، تتوفر على كثافة حرفية، ومجمعات مهيكلة، وأسواق داخلية وخارجية قائمة. أما جهة الشرق، فرغم غنى رصيدها الثقافي والبشري، فهي تعاني اختلالات بنيوية مزمنة في فضاءات الإنتاج، والتسويق، والدخل، والحماية الاجتماعية. وهي اختلالات لم يخترعها نائب برلماني في سؤال، بل يقر بها الحرفيون يوميًا في ورشهم الهشة.
جواب السيد كاتب الدولة لا ينسجم مع المعطيات القطاعية المعروفة، ولا مع التصنيف الواقعي للجهات، حيث:
جهة فاس–مكناس تتصدر وطنيًا من حيث الكثافة الحرفية، التاريخ، عدد الورش، المجمعات، والإشعاع.
جهة مراكش–آسفي تحتل موقعًا متقدمًا جدًا من حيث التسويق والتصدير.
جهة الشرق تتوفر على قاعدة بشرية حرفية مهمة، لكنها ليست الجهة الأولى لا في المنشآت ولا في المجمعات ولا في رقم المعاملات.
وبالتالي، فتصريح كاتب الدولة هنا غير دقيق إحصائيًا، أو على الأقل غير مؤسس على مؤشرات معلنة وقابلة للتحقق.
فهو جواب سياسي دفاعي، ضعيف من حيث الدقة الإحصائية
غير متفاعل مباشرة مع جوهر السؤال ويعكس نزعة تبريرية أكثر من كونه تقييمًا موضوعيًا لوضعية جهة الشرق.
في المقابل، سؤال النائب البرلماني عمر أعنان جاء محددًا مرتبطًا بالواقع الاجتماعي للصناع ومنسجمًا مع التشخيص المعروف لجهة الشرق كجهة ذات طاقات حرفية كبيرة لكن استثمار مؤسساتي وتسويقي محدود.
السؤال البرلماني كان واضحًا:
أين دخل الصانع؟
أين التغطية الاجتماعية؟
أين فضاءات الإنتاج؟
أين تسويق المنتوج؟
أين المطارات والمحطات التي تُركت فارغة من أي حضور حرفي؟
ما قاله كاتب الدولة لا يندرج في خانة التقدير السياسي، بل في خانة التدليس المفاهيمي. لأن الريادة في قطاع الصناعة التقليدية تبنى على معطيات قابلة للقياس:
عدد الورش النشيطة، حجم الإنتاج، كثافة المجمعات، إشعاع الأسواق، ومستوى دخل الصناع. وكل هذه المؤشرات، بلا استثناء، لا تضع جهة الشرق في الصدارة، ولا حتى قريبًا منها.
الأدهى أن المسؤول الحكومي لم يكتفِ بالمبالغة، بل خلط عن قصد بين الكمّ والفعالية.
فالحديث عن «النسيج التعاوني» دون الحديث عن مردوديته، هو اعتراف ضمني بالفشل لا دليل نجاح. لأن التعاونية، حين تُفرغ من بعدها الاقتصادي، تتحول إلى وثيقة إدارية لتجميل الأرقام، لا إلى أداة إنتاج أو تسويق.
ثم أي «رقم معاملات» هذا الذي يُعلن دون رقم؟
وأي «ريادة» تلك التي لا تظهر في دخل الصانع، ولا في تغطيته الاجتماعية، ولا في فضاءات عرض منتوجه؟
وأي نجاح يُتحدّث عنه، والمطارات ومحطات العبور، التي تُعد واجهات طبيعية لتثمين الصناعة التقليدية، تُركت خارج أي تصور عملي؟
الجواب بسيط ومحرج في آن واحد: لأن كاتب الدولة لا يملك تصورًا حقيقيًا للقطاع، ولا يميّز بين الجهات في القطاع الذي يديره ولا علم له بتفاصيل القطاع لذلك عندما خرج كاتب الدولة عن مضمون الجواب المعدّ، وانتقل إلى ارتجال تعقيب كشف ارتباكًا واضحًا في المعطيات وسمعنا عجبا بعد أن لجأ إلى أسهل الحلول: قلب الواقع داخل جملة، وتوزيع ألقاب الريادة بلا سند.
ما حدث في البرلمان كان محاولة مكشوفة للهروب من سؤال محرج سؤال عن الهشاشة، عن الفقر، عن الغياب الاجتماعي، عن انسداد الأفق. فكان الجواب… قصيدة إنشائية عن «الإرادة الجماعية» و«الوعي بالمسؤولية»، وهي عبارات تصلح للخطب، لا لتدبير قطاع يعيش أزمات حقيقية.
وصدق من قال.. تكلم لنراك
كاتب دولة أو وزير فالأمر سيان بالنسبة لنا








تعليقات
0