بالتفاصيل.. المندوبية السامية للتخطيط تكشف المسارين المتباينين للاقتصاد الصناعي المغربي 

rami الإثنين 15 سبتمبر 2025 - 09:51 l عدد الزيارات : 54553

تكشف الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بشأن تطور الرقم الاستدلالي للإنتاج الصناعي والطاقي والمعدني خلال الفصل الثاني من سنة 2025 عن صورة مزدوجة للاقتصاد الوطني، إذ يبدو أن بعض القطاعات العصرية تعرف دينامية متسارعة، في حين تواصل قطاعات تقليدية تراجعها بشكل يثير القلق ويضع علامات استفهام حول مستقبلها.

فالإنتاج الصناعي التحويلي، باستثناء تكرير النفط، ارتفع بنسبة 7 في المائة مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية، وهو تطور يعكس في جزء كبير منه قوة أداء الصناعات الكيماوية التي سجلت زيادة قدرها 9,3 في المائة، والصناعات الغذائية التي نمت بنسبة 9 في المائة، وصناعة التبغ التي حققت قفزة بلغت 19,1 في المائة. وإلى جانبها، برزت صناعة الأجهزة الكهربائية بزيادة قوية بلغت 16,3 في المائة، كما واصلت صناعة السيارات، ركيزة الصادرات المغربية، مسارها التصاعدي بنمو بلغ 5,6 في المائة، فيما ارتفع إنتاج المنتجات غير المعدنية بنسبة 10,8 في المائة. هذه المؤشرات تعكس أن المغرب يرسخ موقعه في سلاسل القيمة العالمية من خلال قطاعات مرتبطة بالطلب الخارجي والتكنولوجي، وهو ما يمنح الاقتصاد زخماً استراتيجياً على المدى المتوسط.

غير أن الوجه الآخر للصورة يكشف عن هشاشة مقلقة في بعض الفروع التقليدية التي شكلت لعقود خزانا للتشغيل. فقد تراجع إنتاج صناعة الملابس بـ 11,6 في المائة، وانخفضت صناعة وسائل النقل الأخرى بـ 14,5 في المائة، كما سجل قطاع الجلد والأحذية انخفاضاً بـ 9,1 في المائة، إضافة إلى تراجع إنتاج المطاط والبلاستيك بـ 3,2 في المائة. هذه المؤشرات السلبية توضح أن الصناعات المعتمدة على اليد العاملة الكثيفة تفقد تدريجياً قدرتها على المنافسة في الأسواق الداخلية والخارجية، وأنها تواجه مخاطر حقيقية قد تنعكس على سوق الشغل وعلى التوازن الاجتماعي.

أما الصناعات الاستخراجية فقد عرفت انتعاشاً واضحاً بنسبة 16,8 في المائة، مدفوعة أساساً بارتفاع الصناعات الاستخراجية الأخرى بـ 17,4 في المائة، في حين ظل استخراج خامات المعادن شبه مستقر بزيادة طفيفة بلغت 0,1 في المائة. ويعكس هذا التطور أثر الطلب العالمي على المواد الخام والمعادن، خصوصاً في سياق التحولات الطاقية والبحث عن بدائل للمواد التقليدية.

وفي السياق نفسه، ارتفع إنتاج وتوزيع الكهرباء بـ 9,4 في المائة، وهو رقم يعكس ارتفاع الطلب الداخلي المتزايد وتوسع مساهمة الطاقات المتجددة، بما يؤكد أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو تعزيز أمنه الطاقي وتلبية حاجياته التنموية.

التحليل الشمولي لهذه المؤشرات يقود إلى خلاصة أساسية مفادها أن الاقتصاد الصناعي المغربي يتحرك على مسارين متباينين. فمن جهة هناك قطاعات عصرية صاعدة تحقق نسب نمو عالية وتمنح المغرب موقعاً تنافسياً في الأسواق الدولية، ومن جهة أخرى هناك صناعات تقليدية تفقد تدريجياً قدرتها على الصمود أمام التحولات العالمية. هذا التفاوت يبرز اختلالات هيكلية عميقة في النموذج الصناعي الوطني، ويطرح على صناع القرار تحديات كبرى تتعلق بكيفية تحقيق توازن بين دعم الصناعات الموجهة للتصدير وبين إنقاذ الصناعات التي تشكل قاعدة للتشغيل المحلي.

إن الأرقام الصاعدة تعكس نجاحات نسبية لا يمكن إنكارها، لكنها في الوقت ذاته تفضح واقعاً بنيوياً يهدد العدالة الاجتماعية وفرص الشغل. وإذا لم تتم معالجة هذه الاختلالات بسياسات مبتكرة تدمج بين التحفيز على الابتكار وإعادة تأهيل الفروع المتعثرة، فقد يجد المغرب نفسه أمام اقتصاد متطور من حيث المؤشرات الماكرو اقتصادية، لكنه هش من حيث القاعدة الاجتماعية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image