أوضاع السيولة والائتمان… ماذا تكشف أرقام غشت 2025 عن الاقتصاد المغربي

rami الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 17:31 l عدد الزيارات : 62281

يظهر مسار الكتلة النقدية في غشت 2025 انتقالًا واضحًا نحو وفرة سيولة مدفوعة بعوامل “فوق-دورية” أكثر منها دورة ائتمانٍ خاصة بالقطاع الخاص. فقد تسارع نمو M3 إلى 8,3% على أساس سنوي، وبلغت قيمتها حوالي 1.980,4 مليار درهم، مدعومًا بثلاثة محرّكات: ارتفاع صافي مطالبات مؤسسات الإيداع على الإدارة المركزية إلى 1,6%، وتسارع وتيرة نمو الأصول الاحتياطية الرسمية إلى 13,1%، مقابل ثبات نمو الائتمان البنكي الممنوح للقطاع غير المالي عند 3,4%.

هذا التكوين في مصادر خلق النقد يشي بأن دينامية السيولة لا تأتي من اتساع شهية المخاطر لدى الأسر والمقاولات بقدر ما تعكس تمويلًا عموميًا أعلى وراحة خارجية أكبر. ففي جانب “الطلب على النقد”، ارتفع التداول النقدي (الأوراق والقطع) بمعدل 9,6%، وقفزت توظيفات الأسر والمقاولات في صناديق الاستثمار النقدية بنسبة 18,7%، بينما تباطأت الودائع تحت الطلب قليلًا إلى 10,7% وتحسنت الودائع لأجل إلى 1,9% بعد شهر سلبي في يوليوز. هذه الحركية تمثل إعادة تموضع نحو سيولةٍ سريعة و”أوعية نقدية” منخفضة المخاطر، أكثر مما تمثل تعطشًا لائتمان طويل الأجل.

ومن زاوية سلوك القطاعات، تتبدّى فجوة بين القطاعين العام والخاص. الائتمان الموجه للقطاع العام تسارع إلى 6,7%، تقوده الشركات العمومية غير المالية التي ارتفع تمويلها 8,6%، بينما ظل نمو ائتمان القطاع الخاص محدودًا عند 3,0% فقط، مع فتور لدى الشركات الخاصة (1,0%) واستقرار لدى الأسر (3,0%). هذا التباين يوحي بأن الجزء الأكبر من ضخّ الائتمان يذهب لتمويل مشاريع وموازنات عمومية، فيما تتريّث المقاولات الخاصة في الاقتراض، إمّا لضبابية دورة الأعمال أو لتشددٍ انتقائي في منح القروض.

تفكيك الائتمان حسب الغرض الاقتصادي يزيد الصورة وضوحًا: قروض التجهيز، وهي مؤشر على الاستثمار المنتج، واصلت نموًا قويًا يبلغ 15,2%، لكن تسهيلات الخزينة (رأس المال العامل) واصلت التراجع إلى -5,2%، ما قد يعكس ضغطًا على دورات السيولة التشغيلية أو لجوءًا أقل لتمويل قصير الأجل. في المقابل، بقيت القروض العقارية عند 3,3% (السكن 3,0%)، وقروض الاستهلاك عند 3,9%، وهي وتيرة لا توحي بدورة ائتمان استهلاكي ساخنة. هذه الملامح تؤكد اقتصادًا يمزج بين دفعةٍ استثمارية انتقائية وتريّثٍ في التمويل اليومي والتوسّع الاستهلاكي.

صحيًّا، تستلزم المنظومة المالية الانتباه إلى مسار القروض المتعثرة. فهذه الأخيرة ارتفعت 5,6% على أساس سنوي، ليتحدد معدلها عند 8,8% من إجمالي القروض. المستوى ليس كارثيًا، لكنه مرتفع بما يكفي ليفرض على البنوك الاحتفاظ بهوامش تخوّف في التسعير والانتقاء، وهو ما يُبقي ترسّخ دورة ائتمانية خاصة بالقطاع الخاص رهين تحسنٍ مستدام في جودة المحافظ.

على الضفة المقابلة، تشير الأصول الاحتياطية الرسمية التي تنمو 13,1% سنويًا، إلى وضعٍ خارجي مريح نسبيًا يتيح لبنك المغرب هامش مناورة في إدارة السيولة وسوق الصرف. ومع ارتفاع صافي مطالبات مؤسسات الإيداع على الخزينة، تتأكد أيضًا قابلية التمويل المحلي لسدّ جزء من الحاجيات العمومية دون ضغطٍ تمويلي حادّ على القطاع الخاص، ما دام الأخير لا يطلب ائتمانًا بقوة. غير أن هذا التوازن يبقى دقيقًا: أي تسارعٍ في اقتراض الخزينة، أو صدمةٍ خارجية تمتصّ جزءًا من تلك الأصول الاحتياطية، قد يعيد توزيع السيولة داخل النظام المالي على حساب الائتمان الخاص.

ما الذي تعنيه هذه اللوحة لصانع السياسة النقدية؟ أولًا، إن تركيب مصادر نمو M3 يُظهر أن “وفرة السيولة” ليست مرادفًا تلقائيًا لـ”وفرة الائتمان الخاص”. فاختيارات المحافظ المالية للأسر والمقاولات تُظهر ميلًا إلى السيولة السريعة (نقد متداول، ودائع جارية، وصناديق نقدية)، لا إلى التزامات تدفع عجلة الطلب الكلي. ثانيًا، إن استمرار جاذبية قروض التجهيز يوحي بأن الاستثمار المنتج—غالبًا في المشاريع الكبرى والبنية التحتية—لا يزال يجد التمويل، لكن توهّن تسهيلات الخزينة يتطلب مراقبة، لأنه يمسّ مباشرة نبض نشاط المقاولات الصغرى والمتوسطة. وثالثًا، إن ارتفاع المتعثر، ولو بوتيرة متحكَّم فيها، يفرض على البنوك سياسة انتقائية قد تُبطئ انتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي عبر قناة الائتمان.

ولكي لا تُقرأ هذه الأرقام بمعزلٍ عن إطارها المفاهيمي: الكتلة النقدية M3 تمثل “العرض النقدي الواسع”—أي مجموع وسائل الدفع والأصول القابلة للتحويل السريع إلى نقد مع درجة سيولة متراجعة تدريجيًا من M1 إلى M3—وتتغذى من مقابِلات مالية تشمل مطالبات البنوك على الاقتصاد والإدارة المركزية والأوضاع الخارجية. فهم هذا الهرم يفسّر لماذا قد يتسارع M3 دون أن يتسارع الائتمان الخاص، ولماذا يمكن لارتفاع الاحتياطيات أو تمويل الخزينة أن يدفع العرض النقدي من دون انعكاسٍ فوري على الاستهلاك أو الاستثمار الخاص.

 نحن أمام اقتصادٍ يزداد فيه “عمق السيولة” بفضل وضع خارجي مريح وتمويل عمومي نشط، بينما يظل القطاع الخاص حذرًا، وجودة الائتمان تحت المجهر. لاستدامة التوازن، ستظل ثلاثة مؤشرات حاسمة للمراقبة خلال الأشهر المقبلة: عودة زخم ائتمان الشركات الخاصة فوق مستويات 3%، تراجع تدريجي لنسبة المتعثر عن مستوى 8,8%، واستمرار ميل المحافظ من “نقدية بحتة” إلى “أصول ادخار طويلة” بما يعيد بناء منحنى شهية المخاطر. عندها فقط ستتحول وفرة السيولة إلى دورة نموٍّ أوسع قادرة على رفع الاستثمار الخاص والطلب الداخلي، بدل أن تبقى وفرةً حسابية محصورة في ميزانيات البنوك والقطاع العام.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image