في زمنٍ تتقاطع فيه الاحتجاجات الاجتماعية مع البحث عن أفقٍ جديد للفعل السياسي الوطني، وفي ظل حالة القلق التي تسود الشارع المغربي نتيجة السياسات الحكومية المتغوّلة، يبرز حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كصوتٍ عاقل ومسؤول يربط بين التحليل السياسي والبعد الإنساني، بين الإصغاء لنبض الشارع وتجديد أدوات العمل الحزبي الميداني.
فالعنوان «الاتحاد الاشتراكي وتجديد القيادة الإقليمية في زمن الاحتجاجات الاجتماعية» ليس مجرد توصيف صحفي، بل قراءة في لحظة وطنية دقيقة يعيشها المغرب اليوم، حيث يتقاطع الاحتقان الاجتماعي مع الحاجة إلى قيادات سياسية قادرة على الإصلاح والبناء، لا على التبرير والتبرّؤ.
من هذا المنطلق، نكتب هذا المقال من زاوية إنسانية قبل أن تكون تنظيمية، لأن الاتحاد الاشتراكي لم يتعامل قط مع السياسة كسباق على المواقع، بل كمسؤولية وطنية وأخلاقية، قوامها الإخلاص، والالتزام، وخدمة المواطن.
ولهذا، فإن تقديم الإخوة الذين تم انتخابهم خلال المؤتمرات الإقليمية الأخيرة في فاس، أزيلال، بن سليمان، الفقيه بن صالح، اليوسفية، درب السلطان الفداء، وإقليم ابن مسيك، لا يأتي فقط لإعلان الأسماء، بل لتسليط الضوء على جيل اتحادي جديد يجسد التوازن بين التجربة والشباب، وبين الكفاءة والاستقامة، وبين حب الوطن والإيمان بالفعل الجماعي.
لقد انعقدت هذه المؤتمرات في ظرف اجتماعي وسياسي حساس، حيث تتسع الهوة بين الوعود الحكومية ومعيش المغاربة، وتتفاقم أزمات قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والتشغيل. وفي الوقت الذي اكتفت فيه الأغلبية الحكومية بالخطاب المطمئن والوعود المعسولة، كان الاتحاد الاشتراكي ينزل إلى الميدان، يؤطر، يناقش، ويعيد الثقة في السياسة باعتبارها أداة للإصلاح لا وسيلة للتهرب من المسؤولية.
ولعل ما يميز اللحظة التنظيمية الراهنة أن حزب الاتحاد الاشتراكي عقد إلى اليوم 72 مؤتمرًا إقليميًا في فترة وجيزة من الزمن، جسّد خلالها دينامية غير مسبوقة في المشهد الحزبي الوطني. وهي دينامية ستُستكمل خلال الأسبوع المقبل بانعقاد المؤتمر الإقليمي لسيدي بنور والمؤتمر الإقليمي للداخلة، اللذين سيُسدل بهما الستار عن هذا الماراثون التنظيمي التاريخي، قبل التوجه نحو محطة المؤتمر الوطني الثاني عشر ببوزنيقة أيام 17 و18 و19 أكتوبر 2025، الذي يُرتقب أن يشكل تتويجًا سياسيًا وتنظيميًا لمسارٍ اتحاديٍ متجددٍ يعيد ترتيب العلاقة بين الحزب والمجتمع، وبين الفكرة الاتحادية وروح الوطن.
تحية تقدير للمنتخبين الجدد ودينامية ميدانية متصاعدة
كل التوفيق للإخوة الذين حظوا بثقة المؤتمرات والمؤتمرين خلال نهاية هذا الأسبوع، بعد انتخابهم في مهام الكاتب الإقليمي ورئيس المجلس الإقليمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في عدد من الأقاليم ا التي تعرف دينامية تنظيمية ونضالية متواصلة رغم صعوبة السياق الوطني الراهن.
لقد أثبتت هذه المؤتمرات أن الاتحاد الاشتراكي، رغم التحديات، يستمر في تجديد دمائه التنظيمية، وفي إنتاج قيادات محلية تمتلك القدرة على الجمع بين التحليل السياسي والالتزام الميداني، بين خدمة المواطن والانفتاح على قضاياه اليومية.
وفي هذا الإطار، نُجدد التحية لهؤلاء الإخوة الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية التدبير السياسي والإقليمي داخل الحزب:
الفقيه بن صالح: الكاتب الإقليمي الشرقاوي الزنايدي، ورئيس المجلس الإقليمي عبد الله وهواه. أزيلال: الكاتب الإقليمي محمد شوقي، ورئيس المجلس الإقليمي سبيل محمد. ابن سليمان: الكاتب الإقليمي أمين الفايق، ورئيس المجلس الإقليمي الميلادي بيربري. اليوسفية: الكاتب الإقليمي صليحي عبد الكبير، ورئيس المجلس الإقليمي محسن عبد الجبار. درب السلطان الفداء: الكاتب الإقليمي محمد قمار، ورئيس المجلس الإقليمي وحيد مبارك. إقليم ابن مسيك: الكاتب الإقليمي سعيد مقداد، ورئيس المجلس الإقليمي مراد ادباغي.
فاس: الكاتب الإقليمي ياسر جوهر، ورئيس المجلس الإقليمي مولاي أحمد الطاهري.
تحية عالية لهؤلاء الإخوة الذين يجسدون بسمعتهم وسلوكهم الوجه النقي للحزب: كفاءة، استقامة، التزام، وحب للوطن.
فاس… عودة الوهج الاتحادي وصوت العقل الوطني
وتحية خاصة للمؤتمرات والمؤتمرين بفاس، وللجماهير الشعبية التي عبّرت، من خلال حضورها الكبير في الجلسة الافتتاحية، عن انخراطها الواعي في الدينامية الاتحادية المتجددة، وثقتها في الاتحاد كقوة وطنية مسؤولة قادرة على تقديم البديل الواقعي في زمن الارتباك الحكومي.
ما حدث في فاس خلال مؤتمرها الإقليمي لم يكن مجرد تجديد للهياكل، بل تجديد للثقة في المشروع الاتحادي ذاته.
لقد أكدت العاصمة العلمية أن الاتحاد الاشتراكي لا يزال حاضرًا في وجدان الجماهير، كحزب يملك شرعية النضال التاريخي وشرعية الفعل الميداني المعاصر.
إن الحضور الشعبي الوازن الذي شهدته فاس لم يكن حدثًا عادياً، بل رسالة واضحة إلى من أراد اختزال السياسة في تدبير تقني أو وعود انتخابية قصيرة الأمد: مفادها أن السياسة الحقيقية هي الإصغاء، والمواكبة، والمسؤولية الأخلاقية أمام المواطنين.
وفي وقتٍ غابت فيه الحكومة عن التواصل الفعلي مع المواطنين، واكتفت بتبريراتٍ إنشائية أمام أزمة المعيشة والبطالة، كان الاتحاد الاشتراكي يفتح أبواب الحوار، وينزل إلى الميدان، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا: إعادة الثقة في السياسة، وفي المؤسسات، وفي الأمل.
من التجديد التنظيمي إلى المبادرة السياسية
الدينامية التنظيمية التي يعيشها حزب الاتحاد الاشتراكي اليوم ليست مجرّد عملية إدارية لإعادة ترتيب الأجهزة، بل تحوّل استراتيجي في منهجية الفعل الحزبي ذاته.
فالحزب، الذي راكم تاريخًا طويلًا من النضال الوطني والديمقراطي، يُدرك أن بناء المستقبل لا يتم بقرارات فوقية، بل من القاعدة إلى القمة، من الميدان إلى المؤسسات، ومن الواقع الاجتماعي إلى المشروع السياسي.
إن انتخاب قيادات إقليمية جديدة في مختلف الجهات هو في العمق تجديد للصلة بين الحزب والمجتمع، وبين الفكرة الاتحادية ومطالب المواطنين.
بهذه الخطوة، يعلن الحزب أنه لم يعد يكتفي بانتقاد أعطاب التدبير العمومي، بل يسعى إلى إنتاج نخب قادرة على تحويل الخطاب إلى ممارسة، والمرجعية التقدمية إلى حلول ملموسة.
فالقيادة في المنظور الاتحادي ليست موقعًا شرفيًا، بل مسؤولية جماعية وميدانية تتجلى في الإنصات الدائم، وصياغة المبادرات المحلية، والدفاع عن قضايا الناس حيث هم، لا من وراء المكاتب أو المنصات الإعلامية.
من هنا تأتي أهمية الربط بين التجديد التنظيمي والمبادرة السياسية: فكل مؤتمر إقليمي لا يُقاس بعدد الحاضرين، بل بقدرته على تجديد الأمل في السياسة، وبما يفرزه من كفاءات تتقن لغة الواقع وتملك الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة حول العدالة، والمساواة، والحكامة، والتنمية.
الاتحاد الاشتراكي، وهو يُعيد بناء ذاته من القاعدة، يُؤسس لمرحلة جديدة من العمل السياسي الوطني: مرحلة تعيد الاعتبار للمناضل الفاعل، لا للمسؤول الصامت؛ للسياسة ذات البعد الإنساني، لا التقني؛ وللنضال المسؤول القادر على صياغة البدائل بدل الاكتفاء بالاحتجاج أو التنديد.
أهمية التنظيم الحزبي قبل المؤتمر الوطني
قبل انعقاد المؤتمر الوطني الثاني عشر، يبرز التنظيم الحزبي كرافعة أساسية لتجديد الفكر والممارسة داخل الاتحاد الاشتراكي.
فالحزب، الذي اختار منذ مؤتمره الاستثنائي نهج النضال الديمقراطي، يدرك أن التنظيم هو العمود الفقري لأي فعل سياسي ناجح، وأن لا مشروع فكري أو اجتماعي يمكن أن يصمد دون قاعدة صلبة من الانضباط، والمشاركة، والمحاسبة، والتجديد الذاتي.
إن الانشغال بالتنظيم ليس انغلاقًا في الذات، بل اختيار استراتيجي لتقوية البنية الحزبية وتأهيلها للمرحلة المقبلة.
فالمؤتمر الوطني ليس








تعليقات
0